انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة استخدام منصات السوشيال ميديا من قبل عدد كبير من المجتمع العالمي، خاصة في مصر التي شهدت انضمامًا كبيرًا من المواطنين إلى منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، وهو الأمر الذي يرجع في الأساس إلى الرغبة في تحقيق الأرباح، مما جعلهم يبحثوا عن زيادة عدد المشاهدات بطرق عدة، وبالتالي يُمكن القول إن "اليوتيوبر" و " التيك توكر" أصبحوا يُمثلوا جزءً لا يتجزأ من الاقتصاد الرقمي في جميع المناطق الجغرافية، وهو أمر لابد أن يتم تداركه على جميع المستويات في الوقت الحالي.
وتأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على المؤشرات المختلفة لسوق السوشيال ميديا عالميًا ومحليًا، مع توضيح الدوافع المختلفة لانتشار هذه الظاهرة.
مؤشرات الظاهرة عالميًا
إن ظاهرة استخدام السوشيال ميديا ببرامجها المختلفة من قبل المجتمع العالمي، يُمكن توضيحها في النقاط التالية:
(-) معدل استخدام الإنترنت: يوضح الشكل (1) أنه في عام 2025 بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت 74%، بالمقارنة بنحو 54% في عام 2019، وهو ما يُعادل 6 مليارات نسمة، ارتفاعًا من 5.8 مليار نسمة في عام 2024، ويرتبط هذا الاستخدام بمستويات التنمية، فالدول ذات الدخل المرتفع تقترب من استخدام شامل للإنترنت، حيث يستخدمه 94% من السكان، في المقابل لا تتجاوز نسبة مستخدمي الإنترنت في الدول ذات الدخل المنخفض 23%.
(-) حجم الأرباح: كشفت بيانات اليوتيوب أنه تم دفع 70 مليار دولار أمريكي لصناع المحتوى والفنانين وشركات الإعلام، خلال الفترة من 2023 إلى 2025، حيث وصل عدد المبدعين عالميًا إلى 67 مليونًا في عام 2025، ومن المتوقع أن يتجاوز 100 مليون بحلول عام 2030، وقد قُدِّرَ حجم سوق التسويق عبر المؤثرين إلى نحو 24 مليار دولار.
وقد ارتفعت إيرادات إعلانات اليوتيوب بشكل كبير، خلال الفترة من الربع الثاني 2015 إلى الربع الثاني 2025، كما يوضح الشكل (2)، إذ زادت من 1.02 مليار دولار في الربع الثاني 2015 إلى 9.79 مليار دولار في الربع الثاني 2025، أي ارتفعت بنسبة 859%، وهي نسبة كبيرة للغاية توضح الإقبال الكبير على الترويج من خلال هذه المنصة.
وتختلف أرباح المؤثرين باختلاف المنصة التي يستخدموها، فوفقًا للجدول (1) يُمكن القول إن كل منصة تختلف ربحيتها وفقًا لعدد المتابعين وتفاعلهم، إذ إنه في الإنستجرام، الذي يتراوح عدد متابعيه من 10 آلاف إلى 100 ألف، تُقدَّر الأرباح بقيم تتراوح من 200 دولار إلى 300 دولار للبوست، بينما التيك توك الذي يتراوح عدد متابعيه من 100 ألف إلى مليون متابع تُقدَّر الأرباح الخاصة به من 300 دولار إلى 1000 دولار للبوست، ولكن يزداد عدد المتابعين في تويتر، إذ يتراوح من 100 ألف إلى مليون متابع، ولكن أرباح البوست تتراوح من 20 دولار إلى 100 دولار، وفي اليوتيوب ترتفع الأرباح بحيث تصل من 1000 دولار إلى 10 ألاف دولار، وترتفع أكثر في الفيسبوك، حيث تتراوح من 12.5 ألف دولار إلى 25 ألف دولار.
ومن الجدير بالذكر هنا، أن "التيك توك" على عكس المنصات الأخرى، يدفع قيمة الفيديوهات من خلال "صندوق دعم المبدعين"، وبرنامج "تيك توك للإبداع"، ما لم تكن مقيمًا في دولة محظور فيها المنصة، وفي المتوسط يدفع التيك توك ما بين 2 و4 سنتات مقابل كل 1000 مشاهدة، وإذا وصل عدد مشاهدات الفيديو إلى مليون مشاهدة، فستحصل على ما يتراوح من 30 إلى 40 ألف دولار، ومن شروط الانضمام إلى هذه المنصة أن يكون عمر صاحب الحساب 18 عامًا أو أكثر، وأن يكون لديه 1000 متابع أو أكثر.
(-) حجم سوق المؤثرين: أوضحت بيانات التقرير المرجعي لعام 2025، الصادر عن مركز التسويق عبر المؤثرين، أن حجم التسويق عبر المؤثرين عالميًا قُدِّر بنحو 32.55 مليار دولار أمريكي في عام 2025، بالمقارنة بنحو 24 مليار دولار أمريكي في عام 2024، أي ارتفع بنسبة 35.6%، وقد بلغ معدل النمو السنوي المركب 33.11%، الأمر الذي يوضح التوسع الكبير الذي شهده القطاع خلال العقد الماضي، كما يُشير إلى أن التسويق عبر المؤثرين تحول من أسلوب تجريبي إلى عنصر أساسي في إستراتيجيات التسويق الرقمية الحديثة.
الاستخدام المحلي
في مصر، ينتشر استخدام السوشيال ميديا بشكل كبير، وهو ما يتضح في النقاط التالية:
(-) نسبة مستخدمي الإنترنت: ينتشر استخدام الإنترنت في مصر بشكل كبير، فكما يوضح الشكل (3)، فقد ارتفعت نسبة الاستخدام من 41% في عام 2016 إلى 89% في عام 2025، وهو الأمر الذي يدل على الاستخدام الكبير من قبل الشعب المصري للإنترنت.
وفي عام2025، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في مصر 96.3 مليون شخص، وفي عام 2026 انضم 7.9 مليون مستخدم جديد لخدمات الإنترنت المحمول، ومليون مشترك إضافي للإنترنت الثابت، وقد بلغ إجمالي عدد مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي 54.3 مليون مستخدم، بينما بلغ عدد الزيارات 25.2 مليار زيارة يوميًا، بزيادة في الاستخدام بنحو 5% مقارنةً بعام 2025.
وفضلًا عن ذلك، قُدِّر أن هناك 51.6 مليون حساب مستخدم نشط على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر بأكتوبر 2025، أي نحو 43.4% من إجمالي سكان مصر في نهاية عام 2025، وكما يوضح الشكل (4) قد بلغ عدد مستخدمي اليوتيوب في مصر 49.3 مليون مستخدم في أواخر عام 2025، بينما يبلغ عدد مستخدمي التيك توك 48.8 مليون مستخدم ممن تبلغ أعمارهم 18 عامًا فأكثر، وبلغ عدد مستخدمي إنستجرام 21.7 مليون مستخدم.
(-) استهلاك المحتوى الترفيهي: تصدَّر المحتوى الترفيهي ساعات قضاء المواطنين على الإنترنت، إذ ارتفعت مشاهدة المنصات بنسبة 67%، وقد سجلت نحو 43.7 مليون ساعة يوميًا، بينما زادت نسبة مشاهدة الفيديوهات القصيرة بنحو 60%، بمعدل 14.6 مليون ساعة يوميًا، وقد اجتذبت الألعاب الإلكترونية 31 مليون شخص قضوا 1.8 مليون ساعة، وذلك بزيادة 21% عن عام 2025.
وبالإضافة إلى ذلك، شهد تحميل ومشاركة مقاطع الفيديو الترفيهية القصيرة طفرة كبيرة في مصر، إذ بلغ عدد مستخدمي تطبيقات تنزيل الفيديوهات نحو 42.6 مليون صانع فيديو قصير، وبلغ إجمالي عدد ساعات مقاطع الفيديو 14.6 مليون ساعة يوميًا، بزيادة في الاستخدام تُقدر بنحو 60% مقارنًة بعام 2025.
(-) المحتوى البثي: انتشرت ظاهرة البث المباشر من قبل المواطنين المصريين في الفترة الأخيرة، إذ بلغ عدد مستخدمي الإنترنت، الذين قاموا ببث فيديو مباشر على منصات التواصل الاجتماعي، 13.3 ألف صانع فيديو، وقد بلغ عدد ساعات الفيديو المباشر 4.6 ألف ساعات يوميًا، بنسبة زيادة في الاستخدام تُقدَّر بنحو 35% مقارنةً بعام 2025. وبحسب بيانات اليوتيوب، هناك زيادة بنسبة 60% في عدد القنوات التي تتخذ من مصر مقرًا لها، وتحقق إيرادات سنوية تزيد عن مليون جنيه مصري.
(-) حجم سوق المؤثرين والإعلان الرقمي: احتل سوق المؤثرين في مصر موقعًا صاعدًا خلال الفترة الأخيرة، إذ بلغت قيمة سوق الإعلان الرقمي واقتصاد المؤثرين في مصر نحو 1.2 مليار دولار أمريكي، وهو ما يُعزى إلى الانتشار المُتزايد للإنترنت والأجهزة المحمولة، إلى جانب تحول سلوك المستهلكين نحو المنصات الرقمية للتسويق والترفيه، كما أسهم صعود المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير في توسع السوق، حيث تُخصص العلامات التجارية ميزانيات مُتزايدة لإستراتيجيات الإعلان الرقمي.
وتحليلًا لما وراء هذه الأرقام، يتضح مجموعة من الدوافع الرئيسية، التي سيتم توضيحها فيما يلي:
تكمُن الأسباب المحورية لانتشار استخدام منصات التواصل الاجتماعي بين فئات المجتمع في العصر الحالي فيما يلي:
(-) الرغبة في تحقيق الأرباح: يُعَد هدف تحقيق أرباح مرتفعة من الأسباب الرئيسية الدافعة نحو انتشار فئات المجتمع المختلفة على منصات التواصل الاجتماعي، وتختلف هذه الأرباح حسب المنصة ونوع المحتوى ودرجة الشهرة وجغرافية المشاهدات، ويُمكن تقسيم الأرباح وفقًا للمنصات، كما يوضح الجدول (2) في الآتي:
(*) أرباح اليوتيوب: إن تحقيق الأرباح في اليوتيوب يتطلب الانضمام لبرنامج "شركاء اليوتيوب"، ومن ثم تفعيل طرق أرباح اليوتيوب، وبالتالي سيعمل اليوتيوب على جمع الأرباح لهم مع خصم العمولة.
وفي هذا النطاق، تعتبر تكلفة الألف مشاهدة على اليوتيوب (CPM) هي إجمالي المبلغ الذي يدفعه المُعلنون مقابل عرض إعلاناتهم في مقاطع الفيديو، حيث يحتفظ اليوتيوب بنسبة 45%، ويحصل صناع المحتوى على 55%، ومن ثم يُعَد "RPM" أكثر أهمية لمنشئي المحتوى، حيث يُشير إلى أرباحهم الفعلية من اليوتيوب بعد خصم العمولات.
وبالتالي، فتكلفة الألف مشاهدة البالغة 0.32 دولار في مصر، تعني أن صناع المحتوى يحصلوا على 0.18 دولار لكل ألف مشاهدة بالنسبة لمشاهدة الإعلانات، إذ تعتمد مشاهدات اليوتيوب على إعلانات أدسنس (AdSense)، وفي مصر تعتبر هذه المعدلات أقل من باقي الدول، ففي إستراليا تُقدَّر هذه التكلفة بنحو 39.38 دولار، وفي الولايات المتحدة تُقدَّر بنحو 36.03 دولار، ومن جانب آخر، تصل أرباح الـ 1000 مشاهدة لفيديوهات اليوتيوب إلى نحو 1 دولار، تزداد إلى مليون دولار في حالة المليون مشاهدة.
(*) التيك توك: يتطلب الانضمام للتيك توك أن يكون المُستخدم قد بلغ 18 عامًا على الأقل؛ ليتمكن من الانضمام إلى برنامج تحقيق الأرباح، فضلًا عن تحقيق 100 ألف مشاهدة للفيديوهات في آخر 30 يومًا.
ويُتيح "التيك توك" عددًا من الطرق لتحقيق الأرباح، منها صندوق المبدعين الذي يُعَد البرنامج الأساسي الذي يدفع للمستخدمين بناءً على عدد المشاهدات، وبالإضافة لهذا البرنامج، فالمشاهدون يُمكنهم إرسال هدايا افتراضية يتم تحويلها لاحقًا إلى أموال، ومن ناحية أخرى يُمكن تحقيق أرباح من خلال التعاون مع العملات التجارية؛ للترويج لمنتجاتها عبر الفيديوهات.
ومن الجدول (1)، يتضح أن أرباح التيك توك بالنسبة للألف مشاهدة تتراوح من 0.02 دولار إلى 0.04 دولار، وبالرغم من انخفاض هذا الربح، فإن طبيعة منصة التيك توك، التي تجمع مشاهدات كبيرة خلال البث المباشر، تعمل على تحقيق أرباح مرتفعة، مما يحوِّل هذه السنتات من الدولارات إلى مبالغ كبيرة، فأرباح المليون مشاهدة تُحقق من 20 ألف إلى 40 ألف دولار، تصل إلى نحو يتراوح من 11 إلى 22 ألف دولار بعد خصم العمولات.
وقد أوضحت بعض التقديرات أن أرباح التيك توكر المشهورين تُقدَّر بنحو 170 ألف جنيه في الساعة أي 3270 دولارًا في الساعة، فالهدايا التي يحصل عليها المؤثرون على التيك توك تُحقق أرباحًا كبيرة، فهدية الأسد تُحقق أرباحًا تُقدَّر بنحو 370 دولارًا أمريكيًا، وإرسالها خلال البث تجعل صانع المحتوى يحصل على ما بين من 50% إلى 80% من قيمتها؛ بسبب اقتطاع عمولة التيك توك، أما هدية الوردة فتبلُغ قيمتها نحو 0.42 دولار، أي نحو 22 جنيهًَا مصريًا.
(*) إنستجرام: ترتفع أرباح الإنستجرام بشكل كبير، فأقل من 100 ألف متابع يحصل على 200 دولار لكل منشور، بينما الصفحات التي تمتلك 300 ألف متابع تحصل على 600 دولار لكل منشور، وعندما يصل الأمر إلى مليون متابع تصل الأرباح إلى 2000 دولار لكل منشور.
(*) فيسبوك: تعتمد أرباح فيسبوك على حجم المشاهدات بشكل رئيسي، وتذهب التقديرات إلى أن الألف مشاهدة على إعلان لفيسبوك تُحقق 8.75 دولار، بينما مشاهدة الفيديو تتراوح من 10 إلى 20 دولارًا، حسب طول مدة الفيديو.
(-) تحقيق الشهرة الاجتماعية: يتجه المؤثرون إلى الترويج وتعميق الانتشار على السوشيال ميديا؛ لتحقيق دافع نفسي يتمثل في الشهرة الاجتماعية بين فئات المجتمع، فانسياق المشاهدين وراء أفكارهم والتأثُّر بها يخلق جيلًا مولدًا من هذه الظاهرة يحمل أفكارها التي تبثها، سواء كانت إيجابية أو سلبية، وهو ما يجعلهم يظنون أنهم يقودوا أفكار المجتمع، وبالتالي تتحقق شهرتهم.
(-) بناء علامة تجارية شخصية: إن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت بوابة رئيسية لتسويق العلامات التجارية المختلفة، وهو ما جعل رواد السوشيال ميديا الذين حققوا متابعات ومشاهدات كبيرة يعملون على بناء علامة تجارية شخصية، تكون ترويجًا لمشروعاتهم التي أقاموها من وراء أرباح الفيديوهات والمنشورات الخاصة بهم.
في النهاية، يُمكن القول إن التغلغُل الواسع لليوتيوبر والتيك توكر عالميًا بشكل عام، ومحليًا بشكل خاص، يُثير حالة من سيولة وسرعة انتقال الأفكار سواء كان الهدف منها إيجابيًا أو سلبيًا، ففي الفترة بين أبريل ويونيو 2025 أزالت منصة "تيك توك" ما يقرب من 19 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وقد سجلت مصر وحدها 3 ملايين عملية إزالة، وهو الأمر الذي يتطلب رقابة كبيرة على محتوى هذه المنصات؛ حتى لا يحدُث انهيار في مبادئ المجتمع.
كما أنه خلق تأثيرات اقتصادية على فئات عديدة من المجتمع، فالأرباح الكبيرة التي يتم جنيها تتسبب في عزوف بعض الفئات عن السعي نحو الحصول على قسط عالٍ من التعليم، طالما أن هناك طريقًا أسهل يُحقق دخلًا مرتفعًا لا يُضاهي إطلاقًا الدخل السائد في الوظائف المختلفة، وهو الأمر الذي يُقلل من الكوادر ذات الكفاءات المرتفعة داخل الدولة، وهو أمر لا بد من تنظيمه بشكل كبير؛ حتى تستفيد الدولة من الانتشار الرقمي الحالي، خاصةً في منظومة الضرائب.