تنتهج إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تعاملها مع الملف الإيراني ما يُعرف في أدبيات مجلة "فورين بوليسي" بـ"إستراتيجية المنطقة الرمادية"، وهي مناورة جيوسياسية معقدة تسعى من خلالها واشنطن إلى ممارسة أقصى درجات الضغط العسكري والسياسي، مع الالتفاف على التعريفات القانونية لـ"الأعمال العدائية"، مما يمنح البيت الأبيض مرونة التحرك الميداني بعيدًا عن قيود الدستور ورقابة الكونجرس.
يرى السفير الأمريكي السابق باتريك ثيروس أن الإدارة الأمريكية في واشنطن تتبنى مسارًا سياسيًا وقانونيًا بالغ التعقيد، يتجلى في إبلاغ الرئيس دونالد ترامب الكونجرس بانتهاء العمليات العدائية مع إيران، وهو ما أثار جدلًا واسعًا نظرًا للتناقض الصارخ بين إعلان إنهاء الحرب والإبقاء الفعلي على القوات الأمريكية في المنطقة.
واعتبر ثيروس، في مداخلة مع "القاهرة الإخبارية"، أن هذا الموقف يضع التطورات الجارية ضمن حالة "رمادية" تثير تساؤلات قانونية عميقة، إذ لا يمكن منطقيًا اعتبار ما يجري وقفًا للقتال في ظل استمرار إجراءات هجومية كالحصار البحري والمناورات العسكرية، واصفًا هذا التوجه بأنه "مناورة سياسية" تعتمد على الدعم المطلق من الحزب الجمهوري، رغم تعارضها مع نصوص القانون الدولي.
ويتلاقى هذا الطرح مع تحليل مجلة "فورين بوليسي"، التي ترى أن إدارة ترامب تنتهج إستراتيجية مدروسة تُعرف بـ"المنطقة الرمادية"، وهي مساحة تقع خلف حدود السلام التقليدي، لكنها لا ترقى قانونيًا إلى مستوى الحرب الشاملة.
ووفقًا للموقع الأمريكي، فإن إعلان ترامب انتهاء "الأعمال العدائية" يستهدف بالأساس إبطال مفعول "قانون صلاحيات الحرب" لعام 1973، الذي يُلزم الرئيس بسحب القوات خلال 60 يومًا في حال القتال الفعلي ما لم يحصل على تفويض تشريعي؛ وبدلًا من ذلك، يسعى البيت الأبيض إلى تقديم الوجود العسكري والحصار البحري بوصفهما "مهمة لحفظ الاستقرار" أو "إنفاذًا للقانون الدولي"، وهي تسميات تمنح الرئيس سلطة مطلقة بعيدًا عن الرقابة الدستورية.
وتلفت "فورين بوليسي" إلى أن واشنطن أعادت تعريف "الحصار البحري" ليصبح "عقوبات اقتصادية معززة" بدلًا من كونه عملًا حربيًا، ما سمح لها بخنق الاقتصاد الإيراني وتكبيده خسائر يومية فادحة دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، وهو ما يضع الخصوم والحلفاء في مأزق قانوني.
وتعتمد هذه الإستراتيجية على سياسة "حافة الهاوية" عبر إبقاء القوات في حالة تأهب قصوى لخلق ضغط نفسي يجبر طهران على التفاوض، مع تصدير "وهم السلام" للداخل الأمريكي كإنجاز سياسي للرئيس بإنهاء الحروب الخارجية، في نهج يحظى بغطاء جمهوري يروّج لهذه التحركات بوصفها "براعة إستراتيجية" نجحت في تحجيم الخصوم وتهميش المعارضة الديمقراطية، التي لا تزال تتمسك بقراءات قانونية تقليدية لا تتماشى مع فن إدارة صراعات العصر الحديث.
وتمنع إيران مرور جميع السفن تقريبًا من الخليج، باستثناء سفنها، منذ أكثر من شهرين، وفرضت الولايات المتحدة، الشهر الماضي، حصارًا على السفن القادمة من الموانئ الإيرانية.
وبدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما على إيران في 28 فبراير، وردّت طهران بشن هجمات على إسرائيل ودول خليجية تستضيف قواعد أمريكية، وأدت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، والضربات الإسرائيلية في لبنان، إلى مقتل الآلاف وتشريد الملايين.
وأدت الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط وإغلاق فعلي لمضيق هرمز، وهو ممر حيوي يمر عبره نحو 20% من شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.
ويواجه ترامب، الذي قدّم مهلًا زمنية وأهدافًا متغيرة للحرب، التي لا تحظى بشعبية داخل الولايات المتحدة، حملة تنديد واسعة بسبب تصريحاته عن الصراع، ومنها تهديده، الشهر الماضي، بتدمير الحضارة الإيرانية بأكملها.