تخفت الأضواء تدريجيًا في المسرح وتعلو همسات الترقب في القاعة، قبل أن يشق صوت الموسيقى الصمت بأنغام الأوركسترا لتتجه الأنظار نحو المسرح انتظارًا للحظة ظهور هاني شاكر.
يدخل أمير الغناء العربي بخطوات هادئة وحضور مهيب، يعتلي الخشبة كالفرسان، يحيي جمهوره بابتسامة دافئة، فيبادله الحضور تصفيقًا حارًا يملأ المكان، ومع أول غنوة، يبدأ صوته في الانسياب بسلاسة، "علي الضحكاية وعلي" ليأخذ الجمهور في رحلة من الطرب الأصيل، إذ تتناغم كلماته مع عزف الفرقة في حالة فنية خاصة، ويبدو واضحًا ذلك التفاهم الخفي بينه وبين المايسترو، الذي يقود الإيقاع بعينٍ على النوتة وأخرى على إحساس المطرب.
يتفاعل هاني شاكر مع جمهوره بحميمية لافتة، يبادلهم النظرات والابتسامات، ويترك مساحة للتصفيق والمشاركة وتلبية طلبات الحاضرين، بينما يواصل المايسترو توجيه الأوركسترا بدقة، ليكتمل المشهد بين صوتٍ دافئ وقيادة موسيقية رفيعة، في لوحة فنية تعكس كواليس من التناغم والانسجام الذي طالما جمعهما على المسرح.
هذا ما ستجده في أغلب حفلات هاني شاكر، الذي رحل عن عالمنا اليوم في باريس بعد صراع مع المرض.
فراغ لا يعوض
شهادات عن قرب وكواليس لم تُرى كشفها مايسترو حفلاته، المايسترو سليم سحاب، الذي أكد أن غيابه عن الساحة يترك فراغًا كبيرًا لا يمكن تعويضه، نظرًا لمكانته الخاصة في قلوب الجمهور العربي.
وأضاف سحاب، أن "أمير الغناء العربي" يمتلك صوتًا استثنائيًا وإحساسًا راقيًا، ما لمسه خلال قيادته للأوركسترا في عدد كبير من حفلاته، مشيرًا إلى أن العمل معه دائمًا ما يكون تجربة فنية ثرية، نظرًا لالتزامه الشديد واحترامه للموسيقى وجمهوره.
وأشار إلى أن التعاون بينهما لم يكن وليد اللحظة، بل امتد عبر سنوات طويلة من النجاحات المشتركة، سواء في حفلات دار الأوبرا أو ضمن فعاليات مهرجانات الموسيقى العربية، إذ كان هاني شاكر دائمًا من النجوم الذي يحرص على العمل معهم لما يتمتع به من قيمة فنية كبيرة، مؤكدًا أن هاني يحب عمله كثيرًا ويحب أن يتواجد قبل حفله بوقت كافٍ في المسرح وعمل بروفات مكثفة قبل الخروج لجمهوره، ويكون متوترًا قبل صعوده على المسرح، حتى بعد النجاح الكبير الذي حققه في مشواره.
واختتم سحاب تصريحاته بالتأكيد أن العلاقة التي تجمعهما قائمة على الاحترام المتبادل والكفاءة الفنية، لافتًا إلى أن حفلات مثل "وتر عبدالحليم" وغيرها من العروض الضخمة جسدت هذا التناغم.
أما المايسترو أمير عبدالمجيد فأكد أن العلاقة التي جمعته بهاني شاكر تقوم على الاحترام الفني المتبادل، لافتًا إلى أن غياب المطرب الكبير يترك فراغًا واضحًا، لما يمثله من قيمة فنية كبيرة، لأنه فنان يدرك جيدًا ما يقدمه وكيف يصل بإحساسه وصوته إلى المتلقي.
وأوضح أن هاني شاكر يمتلك وعيًا فنيًا لافتًا، قائلًا: "يعرف قيمته جيدًا ويدرك كيف يريد أن يغني"، مستعيدًا موقفًا داخل الاستوديو حين شدد على أنه ليس مجرد مؤدٍ، بل مطرب حقيقي يجسّد ما تحمله بطاقته الفنية من معنى ومكانة، ما يظهر جليًا في أدائه واختياراته.
ووضع المايسترو المصري، أمير الغناء العربي ضمن قائمة "سلاطين الغناء في مصر"، إلى جانب مدحت صالح وعلي الحجار ومحمد الحلو، مشيدًا بقيمة صوته وتاريخه الطويل، وقدرته على الحفاظ على مكانته لدى مختلف الأجيال.
وفاة أمير الغناء العربي
غيّب الموت أمير الغناء العربي الفنان المصري هاني شاكر اليوم الأحد، في أحد مستشفيات العاصمة الفرنسية باريس عن عمر 73 عامًا، بعد معاناة طويلة مع المرض.
وتدهورت حالة هاني شاكر الصحية خلال الفترة الماضية، ودخل في مراحل علاجية معقدة بعد تعرضه لانتكاسة مفاجئة في أثناء علاجه بفرنسا، من بينها فشل تنفسي استدعى دخوله العناية المركزة، إذ وُضع على أجهزة التنفس الصناعي تحت متابعة دقيقة.
ونعى شريف هاني شاكر، نجل الفنان الراحل، الذي رافق والده في رحلة علاجه بباريس، قائلًا: "أنعى والدي وصديقي وضهري وحبيبي وأخويا فقيد الوطن العربي أمير الغناء العربي".
وأثار خبر الوفاة حالة من الصدمة والحزن بين جمهور ومحبي هاني شاكر، الذي يُعد أحد أبرز رموز الغناء في العالم العربي، إذ ترك بصمة فنية مميزة وأعمالًا خالدة ستظل حاضرة في وجدان عشاقه.
ولد الفنان هاني شاكر، 21 ديسمبر 1952، في القاهرة، ويُعد من أبرز الأصوات الغنائية في العالم العربي ومن رموز الجيل الذهبي للموسيقى، ولقّب بـ"أمير الغناء العربي".