مع حلول اليوم العالمي لحرية الصحافة، يواجه العمل الإعلامي اختبارًا هو الأقسى تاريخيًا؛ حيث لم يعد الصحفيون مجرد ناقلين للحقيقة، بل باتوا أهدافًا مباشرة في مرمى النيران. وتأتي هذه المناسبة لتسلط الضوء على واقع مأساوي يشهد تصاعدًا غير مسبوق في الانتهاكات الممنهجة، التي حوّلت التغطية الميدانية إلى مهمة محفوفة بالمخاطر القاتلة".
وفي وقت يفترض أن يشكل فيه اليوم العالمي لحرية الصحافة مناسبة لتعزيز حماية الصحفيين، تأتي هذه الانتهاكات لتضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: إما ترجمة القوانين الدولية إلى آليات مساءلة فاعلة، أو القبول باستمرار الإفلات من العقاب. وبين هذا وذاك، يواصل الصحفيون عملهم في الخطوط الأمامية، مدفوعين بمسؤولية نقل الحقيقة مهما كان الثمن.
وفقًا للجنة حماية الصحفيين الدولية، أصبح الاحتلال الإسرائيلي أكثر كيان حكومي ارتكب عمليات قتل متعمدة للصحفيين، إذ تتصاعد اعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحفيين في فلسطين ولبنان، وخلال توغل الاحتلال في مناطق الجنوب السوري. ويتزايد الاستهداف الإسرائيلي المباشر للصحفيين مع اتساع رقعة الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، حتى بات ذلك نمطًا متعمدًا.
وتظهر أرقام اللجنة، وفق منهجيتها طويلة الأمد، أن قوات الاحتلال الإسرائيلي قتلت 5 صحفيين وعاملًا إعلاميًا في قطاع غزة والضفة الغربية، إضافة إلى 8 صحفيين وعاملًا إعلاميًا في لبنان منذ بداية العام الحالي، إلى جانب ارتكاب انتهاكات مختلفة، من مداهمة منازلهم والتحقيق معهم، وإطلاق الرصاص والقنابل الدخانية تجاه الصحفيين السوريين خلال عمليات التوغل.
القتل بنيران إسرائيل
بدورها، أكدت المديرة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في لجنة حماية الصحفيين، سارة القضاة، أن اللجنة وثّقت خلال العام الماضي 47 حالة قتل لصحفيين بسبب عملهم حول العالم، 81% منهم قتلتهم إسرائيل.
وقالت "القضاة" إنه ومنذ 7 أكتوبر 2023، تأكدت اللجنة من استهداف ما لا يقل عن 64 صحفيًا وعاملًا إعلاميًا، قُتلوا بشكل مباشر على يد القوات الإسرائيلية انتقامًا من عملهم، ولا تزال تحقق في العديد من الحالات الأخرى المشتبه بأنها استهداف متعمد، مبينة أن اللجنة وثّقت خلال 22 عامًا عمليات قتل ما لا يقل عن 20 صحفيًا بنيران الجيش الإسرائيلي، ووصفت ذلك بـ"نمط قاتل".
وأضافت أنه في ظل القيود الشديدة المفروضة على غزة، من حظر إسرائيل وصول الصحافة الأجنبية، وتدمير البنية التحتية للاتصالات، والنزوح الجماعي، والخسائر البشرية الواسعة، فإن التحقق من المعلومات وفق منهجية اللجنة أمر بالغ الصعوبة، مرجحة أن يكون العدد الإجمالي لعمليات القتل المتعمد أعلى بكثير، خاصة مع تدمير الكثير من الأدلة المعاصرة، مما قد يجعل العدد الحقيقي للصحفيين الفلسطينيين في غزة الذين استُهدفوا عمدًا غير معروف أبدًا.
وأوضحت القضاة أن توثيقات اللجنة تظهر أن إسرائيل قتلت في لبنان خلال العام الحالي وحده 8 صحفيين، وعاملًا إعلاميًا، مؤكدة دوافع مقتل أربعة منهم، وصنفتهم كضحايا اغتيال متعمد بنيران إسرائيلية.
وأشارت إلى أن لجنة حماية الصحفيين وثّقت في سوريا حوادث تتعلق بالصحفيين في الجنوب، لا سيما في القنيطرة والمناطق القريبة من الجولان المحتل، إذ أفاد صحفيون للجنة بأن القوات الإسرائيلية أعاقت عملهم الصحفي، واحتجزت واستجوبت عاملين في الإعلام، وفي بعض الحالات دمرت معداتهم أو أجبرتهم على مغادرة المناطق التي كانوا يغطونها.
وبينت أن ثقافة الإفلات التام من العقاب التي لا تزال إسرائيل تتمتع بها تُعد عاملًا مباشرًا في استمرار استهدافها للصحفيين دون رادع، مع التهرب من التزاماتها القانونية الدولية وعدم فتح تحقيقات شفافة وموثوقة.
غزة مقبرة الصحفيين
وفي سياق متصل، كشف نقيب الصحفيين الفلسطينيين ناصر أبو بكر أن عدد شهداء غزة من الصحفيين بلغ 262 صحفيًا، إلى جانب أكثر من 500 مصاب ومئات المعتقلين، فضلًا عن تدمير أكثر من 152 مؤسسة إعلامية، ونحو 1,700 منزل تعود لصحفيين، واستشهاد ما يزيد على 750 من أفراد عائلاتهم. وأشار إلى أن الاتحاد الدولي للصحفيين اعتبر ما حدث "أكبر مجزرة في تاريخ الإعلام"، واصفًا قطاع غزة بأنه "أكبر مقبرة للصحفيين في العالم".
من جانبه، أوضح نائب نقيب الصحفيين الفلسطينيين عمر نزال أن نحو 600 من أبناء عائلات الصحفيين استشهدوا خلال الحرب الأخيرة، مشيرًا إلى أن ذلك يُستخدم كرسائل ردع للصحفيين الفلسطينيين بهدف ثنيهم عن الاستمرار في العمل الصحفي، بما يؤدي فعليًا إلى محاولة إيقاف التغطية الإعلامية.
وأكد أن التحريض بلغ ذروته على المستويين السياسي والعسكري وحتى بعض الصحفيين الإسرائيليين، على حد قوله، بما وصفه بأنه "جريمة يعاقب عليها بالقتل" بحق الصحفيين الفلسطينيين.
تصعيد خطير في لبنان
وفي لبنان، قال وزير الإعلام اللبناني بول مرقص إنه ومنذ أكتوبر 2023 وحتى يناير الماضي، قُتل 20 صحفيًا لبنانيًا بنيران الاحتلال، مشيرًا إلى أن بيروت باشرت التحرك القانوني للمطالبة بإعداد ملف حول استهداف الصحفيين والتواصل مع الأمم المتحدة والمقررين الدوليين، وإرسال مذكرات احتجاج إلى جهات دولية بينها اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان.
وأدان وزير الإعلام اللبناني الاستهداف المتكرر والمباشر من قبل القوات الإسرائيلية للصحفيين أثناء قيامهم بواجبهم المهني، مؤكدًا أن هذا الاستهداف يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977، والمواد التي تنص على حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة.
وطالب بتحقيق دولي مستقل وشفاف في هذه الجرائم، واتخاذ إجراءات رادعة بحق إسرائيل لوقف استهداف الصحفيين، مؤكدًا أن هذه الاعتداءات لن تثني الصحافة اللبنانية عن أداء دورها في نقل الحقيقة، لكنها تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته.
الإعلام المصري سند للقضية
من جانبه، أكد نقيب الصحفيين الفلسطينيين ناصر أبو بكر أن الإعلام المصري تميز على سائر وسائل الإعلام العربية بوقوفه المستمر إلى جانب القضية الفلسطينية في مختلف المراحل التاريخية، منذ بداية الصراع وحتى اليوم، دون أن ينقطع يومًا عن تغطيتها أو يغفلها.
وأوضح أبو بكر، على هامش الفعالية التي احتضنها المركز الثقافي المصري في باريس بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، أن وسائل الإعلام المصرية حرصت على تخصيص مساحات واسعة لتغطية القضية الفلسطينية عبر مختلف المنصات، سواء الصحف أو المواقع الإلكترونية أو القنوات التلفزيونية أو الإذاعات، حتى أصبحت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في المشهد الإعلامي المصري.
وأشار إلى أنه رغم تعدد الأزمات والتطورات في العالم العربي والشرق الأوسط، تظل القضية الفلسطينية في صدارة اهتمام الإعلام المصري، معتبرًا أن ذلك يعكس عمق الروابط التاريخية بين الشعبين المصري والفلسطيني، والتي وصفها بأنها "علاقات توأمة تتجاوز كونها علاقات أخوة".
وقال إن مصر هي قائدة الأمة العربية والداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، وقد اضطلعت بمسؤوليتها التاريخية تجاه فلسطين ولم تدخر جهدًا في دعمها، لافتًا إلى أن ما يجمع البلدين يتجاوز الأطر التقليدية ويرتبط بالأمن القومي والتاريخ المشترك، وهو ما ينعكس بوضوح في الأداء الإعلامي المصري.
وأثنى، في اليوم العالمي لحرية الصحافة، على الدور المحوري الذي اضطلعت به الصحافة والإعلام العربي، لا سيما في تغطية الحرب على قطاع غزة من خلال نقل الرواية الفلسطينية إلى العالم، موضحًا أن هذه الحرب التي اندلعت عقب 7 أكتوبر 2023 شكلت نقطة تحول فارقة، حيث بدأ الإعلام الدولي يتناول القضية بقدر أكبر من التوازن مقارنة بالمراحل السابقة التي اتسمت بانحياز واضح لرواية الاحتلال.
ونوّه بأن خروج مئات الآلاف في مسيرات بعدد من المدن الغربية دعمًا للشعب الفلسطيني ومطالبة بوقف الحرب على غزة جاء نتيجة مباشرة للجهود الإعلامية العربية في توثيق الواقع الميداني، مستشهدًا بأن مصطلح "الإبادة الجماعية" أصبح متداولًا على نطاق واسع في وسائل الإعلام الدولية.
انتهاكات تُقوض حرية الإعلام
وبدورها، أكدت جامعة الدول العربية ضرورة ضمان بيئة إعلامية تعددية ومستقلة وموثوقة تسهم في تنوير الرأي العام، وحماية الحقوق والحريات، ومحاربة نزعات العنف والكراهية.
وأعلن الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، رئيس قطاع الإعلام والاتصال، السفير أحمد رشيد خطابي، في تصريحات صحفية أدلى بها، أن العالم يحيي هذا اليوم الأممي في 2026 تحت شعار "بناء عالم يسوده السلام"، في إشارة إلى دور الإعلام في خدمة ثقافة السلام في سياق دولي جيوسياسي بالغ الاضطراب، مشحون بالتوترات والحروب المدمرة، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تُزهق أرواح المدنيين الأبرياء، بمن فيهم الصحفيون الذين يعملون من أجل نقل الحقيقة في ظروف محفوفة بالمخاطر.
وثمّن مناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، والمقتضيات التي أُدخلت مؤخرا على ميثاق الشرف الإعلامي العربي بشأن ترسيخ التعددية وحرية الرأي، وحظر نشر الإشاعات المضللة، ولا سيما خلال الاستحقاقات الانتخابية.
وأضاف أن هذا اليوم الأممي، الذي اعتمد بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1993 بمبادرة من "اليونسكو"، فرصة للتذكير، بكل تقدير، بالخدمات الجليلة للصحفيين على اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم المهنية، والتأكيد على تيسير أداء مهامهم، وإسهاماتهم الداعمة للتنمية والممارسة الديمقراطية، تمشيا مع مبادئ المواثيق الدولية ذات الصلة، بدءا بأحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
كما شدد على أن حرية الرأي حق أصيل لا تحده سوى الضوابط القانونية والأخلاقية والمصالح الوطنية الحيوية.