أكد رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر القس أندريه زكي، أن الطائفة تضم حاليًا 19 مذهبًا مختلفًا تحت مظلة المجلس الإنجيلي العام، مشيرًا إلى أن هذه المذاهب تمثل كنائس وطنية تمتد جذورها التاريخية وعلاقاتها إلى الشرق والغرب.
وأوضح "زكي"، خلال لقائه مع الإعلامي سمير عمر في برنامج "الجلسة سرية" على قناة "القاهرة الإخبارية"، أن نشأة عدد من الكنائس الإنجيلية في مصر تعود إلى إرساليات أوروبية وأمريكية قبل نحو 150 إلى 200 عام، ومنها الكنيسة المشيخية التي تأسست بدعم من كنائس في الولايات المتحدة وأسكتلندا، إلى جانب الكنائس الرسولية والمعمدانية.
وأشار إلى أن هذه الكنائس ظلت مرتبطة إداريًا وماليًا بالكنائس الأم في الغرب حتى خمسينيات القرن الماضي، قبل أن تحصل على استقلالها الكامل في تلك الجوانب، لتتحول إلى كنائس شقيقة دون تبعية تنظيمية، مع استمرار علاقات التعاون والتواصل.
وأضاف رئيس الطائفة الإنجيلية أن عدد الكنائس المحلية في مصر بلغ نحو 1500 كنيسة منتشرة في مختلف المحافظات، إلى جانب شبكة من المؤسسات الخدمية، تشمل مدارس ومستشفيات وجمعيات أهلية، ما يعكس اتساع الدور المجتمعي للطائفة خلال العقود الماضية.
وشدد "زكي" على أن الكنائس الإنجيلية في مصر تدار بشكل مستقل تمامًا، مؤكدًا أنها "كنائس وطنية بنسبة 100%"، ولا تتلقى أي تعليمات من جهات خارجية، رغم استمرار علاقات الصداقة والتعاون مع الكنائس التي تتشارك معها الجذور التاريخية.
وأوضح أن الاستقلال الذي تحقق منذ خمسينيات القرن الماضي شمل الجوانب الإدارية والمالية، بينما ظلت الروابط العقائدية قائمة في إطار اختلافات لاهوتية طبيعية بين كنائس الشرق والغرب، مع وجود قدر كبير من التوافق في القضايا الأساسية.
حركة الإصلاح
وقال "زكي"، إن جميع المُرسَلين الذين أسهموا في تأسيس الكنائس الإنجيلية في مصر والمنطقة العربية ينتمون إلى حركة الإصلاح الإنجيلي وإلى البروتستانتية العالمية، مشيرًا إلى أن هذه الحركة تعود جذورها إلى أكثر من 500 عام.
وأضاف أن حركة الإصلاح الإنجيلي تُعد إحدى أبرز الحركات الإصلاحية الدينية التي نشأت في أوروبا خلال القرن السادس عشر، وكان لها تأثير واسع في تاريخ الكنيسة، لافتًا إلى أنه يتم الاحتفال بذكرى هذه الحركة سنويًا في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر.
وأوضح أن الكنائس الإنجيلية في المنطقة تأسست بشكل مباشر على يد كنائس الإصلاح في الغرب، وتنتمي جميعها إلى الإطار البروتستانتي العالمي الذي نشأ نتيجة إصلاحات دينية داخل الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا خلال العصور الوسطى.
وقال رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر، إن مارتن لوثر إلى جانب عدد من المصلحين، مثل كالفن وزوينجلي، لم يكن هدفهم في البداية إنشاء كنيسة جديدة، بل السعي إلى إصلاح داخل الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا خلال العصور الوسطى، موضحًا أن عدم الاستجابة الكافية لتلك الدعوات الإصلاحية -إلى جانب عوامل أخرى- أدى في النهاية إلى نشوء كنائس جديدة تحمل طابعًا إصلاحيًا، نشأت عن الحركة البروتستانتية في الغرب، مع وجود اختلافات بينها وبين الكنيسة الكاثوليكية، إلى جانب نقاط اتفاق جوهرية في العقائد الأساسية مثل لاهوت المسيح وشخصيته والميلاد العذراوي والصلب والقيامة.
وأشار إلى أن نشأة الكنائس الإنجيلية جاءت في سياق اتسم بدرجة من الحرية الفكرية، وارتبطت لاحقًا بمفاهيم الديمقراطية والتنوير والنهضة، وهو ما أسهم في تعزيز دورها في هذا الإطار التاريخي.
الكنيسة الإنجيلية في مصر لا تتبنى "المسيحية الصهيونية"
وقال "زكي" إن ما يُعرف بـ"المسيحية الصهيونية" هو تعبير حديث لا جذور له في حركة الإصلاح الإنجيلي، مشيرًا إلى أنه يرتبط بتيارات فكرية داخل الحركة الإنجيلية العالمية، أبرزها التيار اللاهوتي العهدي والتيار اللاهوتي التدبيري.
وأوضح أن التيار اللاهوتي العهدي يرى أن الكنيسة تمثل امتدادًا لـ"إسرائيل الجديدة"، وأن جميع الذين قبلوا بالمسيح يعتبرون جزءًا من شعب الله وشعب الكنيسة الجديدة وشعب إسرائيل الجديدة، أما التيار التدبيري فيرى أن بعض النبؤات لم تتحقق بعد، وأنها ستتحقق مستقبلًا، بما في ذلك ما يتعلق بمرحلة الألف عام.
وأضاف أن من هذا التيار التدبيري نشأت بعض التفسيرات التي عُرفت لاحقًا بالمسيحية الصهيونية، والتي ترى أن للإنسان دورًا في المساهمة في تحقيق النبؤات، وهو ما انعكس لدى بعض أتباعه في دعم دولة إسرائيل.
وأكد أن هذا الاتجاه يُعد محدودًا داخل الحركة الإنجيلية العالمية، وأن الطائفة الإنجيلية في مصر بمذاهبها التسعة عشر لا تتبنى فكر "المسيحية الصهيونية" على الإطلاق، بل تتبنى موقفًا واضحًا وثابتًا منذ نشأة الصراع العربي الإسرائيلي داعمًا لحقوق الشعب الفلسطيني.
وأشار إلى أن هذا الموقف يتسق مع اتجاهات واسعة داخل الكنائس الإنجيلية عالميًا، لافتًا إلى أن بعض الكنائس الكبرى، مثل الكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة وكنائس المسيح، اتخذت مواقف نقدية لبعض السياسات وسحبت استثماراتها من شركات تُتهم بدعم إسرائيل.
وأضاف أن الطائفة الإنجيلية في مصر ترتبط منذ نشأتها قبل نحو 200 عام ارتباطًا وثيقًا بالمجتمع، موضحًا أن الكنيسة لم تكن يومًا منعزلة عن محيطها، بل أسهمت في بناء جسور تواصل من خلال المدارس والمستوصفات والمستشفيات.
وأكد أن الكنيسة الإنجيلية تعمل على أساس لاهوتي واجتماعي ووطني، مشيرًا إلى أن العمل المجتمعي يمثل جزءًا أساسيًا من رسالتها منذ البداية.
خدمات الكنيسة الإنجيلية دون أي أهداف تبشيرية
وعلق رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر على طعن البعض بـأن الخدمات التي تقدمها الكنيسة الإنجيلية للمجتمع ربما تكون مسارًا تبشيريًا، قائلًا: "لدينا من الشفافية والتاريخ الطويل ما يؤكد مصداقيتنا، نحن لا نستخدم أي وسائل من أجل عملية التبشير، نحن نفصل تمامًا خدمة التبشير للمسيحيين ككنيسة نتكلم عنها ككنيسة وليس كمجتمع مدني".
وقال "زكي" إن فكرة التعددية والتنوع شكّلت جزءًا مهمًا من تكوينه الفكري واللاهوتي، موضحًا أن هذا التأثير يعود إلى دراسته في أكثر من مؤسسة تعليمية وفي بيئات ثقافية متعددة، وهو ما عزز لديه قيمة التنوع والانفتاح على الآخر.