في ظل تصاعد التهديدات بين الولايات المتحدة وإيران بالعودة إلى مربع المواجهة العسكرية، تقود باكستان حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا بدعم من مصر وتركيا لإحداث انفراجة في المسار التفاوضي، من خلال استضافة جولة ثانية من المحادثات لنزع فتيل الأزمة، ومنع انزلاق المنطقة نحو انهيار اقتصادي شامل، وتغليب منطق السلام على خيارات التصعيد.
وفي السياق ذاته، أكد رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الباكستاني، آجا شاهزيب دوراني، عبر قناة "القاهرة الإخبارية"، أن باكستان بذلت، وتواصل بذل، كل ما تستطيع للحفاظ على قنوات الحوار بين الجانبين، بهدف الوصول إلى وقف إطلاق النار وتحقيق الأمن والسلام.
أزمة عالمية
وأشار إلى أن الحديث عن نقاط الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران أمر شديد التعقيد، موضحًا أن الأزمة لم تعد مقتصرة على طرفين، بل تحولت إلى أزمة عالمية تتطلب حلًا سريعًا، في ظل تداعياتها الواسعة على مختلف دول العالم.
وأضاف أن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف شدد على أهمية عدم خرق وقف إطلاق النار، والعمل على ضمان التزام الطرفين به، مع السعي لوضعهما على طاولة الحوار.
ولفت آجا شاهزيب دوراني إلى أن تحقيق ذلك يُعد إنجازًا كبيرًا، خاصة في ظل ما أُنفق من قدرات عسكرية، مشيرًا إلى استخدام أكثر من 25 مليار دولار في الأسلحة من جانب، واستهلاك نحو 5000 طائرة مسيّرة في المنطقة من جانب آخر.
وذكر رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الباكستاني، أن الجهود التفاوضية تركز على إيجاد مناطق الاتفاق بدلًا من الاختلاف، وأن المحادثات ستستمر مع تقديم مطالب من الطرفين، قبل العودة لمناقشتها داخليًا، معربًا عن أمله في أن تنجح باكستان ودول المنطقة في الوصول إلى سلام مستدام.
انهيار الاقتصاد
قال دوراني، إن من أبرز نقاط الاتفاق المشتركة، القلق العالمي من تداعيات الأزمة، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار والتهديد بانهيار اقتصادي عالمي، مؤكدًا أنه لا توجد دولة ترغب في الحرب أو سفك الدماء، ولا تملك أي دولة رفاهية تحمل تبعات انهيار اقتصادي في هذه المرحلة.
وتابع: "الجانب الإنساني يُمثل محورًا مهمًا يجمع مختلف الأطراف"، مشيرًا إلى تجربة باكستان التي تكبدت خسائر فادحة، خلال العقود الماضية، إذ خسرت نحو 300 مليار دولار من اقتصادها وأكثر من 150 ألف شخص، مؤكدًا أن السلام ضرورة مُلحة بالمنطقة، في ظل مخاوف واسعة في الخليج والشرق الأوسط على الأعمال والحياة، وأن التركيز على البعد الإنساني أصبح من أهم نقاط الاتفاق بين الجميع.
وذكر رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الباكستاني، أنّ وجود سرديتين مختلفتين لكل من الولايات المتحدة وإيران أمر طبيعي ومتوقع، باعتبارهما طرفين متنافسين في هذا الصراع، لكل منهما أجنداته وطلباته الخاصة.
وأوضح أنّ باكستان تنطلق من رغبتها في تحقيق السلام، وتسعى إلى دفع الطرفين نحو الحوار، وأنه بمجرد دخول الولايات المتحدة وإيران في حوار يُعد نجاحًا كبيرًا، لأنه يدل على عدم حدوث انهيار دبلوماسي كامل، كما أن فتح قنوات الاتصال أسهم في تجنب مخاطر كبيرة، من بينها تهديدات خطيرة كان يمكن أن تتفاقم.
وتابع: "باكستان تمكنت من الإسهام في إنقاذ آلاف الأرواح"، معربًا عن أمله في استمرار الجهود بالتعاون مع حلفاء إستراتيجيين مثل مصر وتركيا، بهدف خفض التصعيد وإعادة الأمور إلى مسار الحوار، بما يتيح للطرفين الجلوس على طاولة المفاوضات والتوصل إلى قرارات نهائية تحقق السلام.
تهديدات متبادلة
ومع تعثر المحادثات، هدد العميد مجيد موسوي، قائد القوة الجوفضائية بالحرس الثوري الإيراني، برد عسكري غير مسبوق، مؤكدًا أن القوات الإيرانية سترد على أي قصف أمريكي بـ"ضربات طويلة ومؤلمة"، محذرًا السفن والقواعد الأمريكية من مصير مشابه لما واجهته سابقًا.
وتأتي هذه التهديدات بالتزامن مع تقارير حول إطلاع الرئيس دونالد ترامب على خطط لعمل عسكري "قوي وقصير"، بالتوازي مع إستراتيجية الحصار البحري للموانئ الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز لفترات طويلة.
وتسعى إدارة ترامب من خلال هذا الضغط إلى إلحاق أقصى ضرر اقتصادي بطهران لإجبارها على العودة لطاولة المفاوضات، وهو ما تسعى الدبلوماسية الباكستانية بالتنسيق مع حلفائها في القاهرة وأنقرة لاحتوائه عبر تقديم بدائل سلمية تضمن استقرار الممرات المائية وتجنب العالم "هزة اقتصادية" لا يمكن التنبؤ بنهايتها.