يدخل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر تعقيدًا، مع تحوّل مضيق هرمز إلى ساحة ضغط رئيسية في معادلة الحرب والتفاوض، وبينما تحاول طهران استخدام الورقة النفطية لتخفيف الضغوط، يبدو أن واشنطن غير مستعدة لتقديم تنازلات سريعة، ما يجعل الأزمة مفتوحة على احتمالات متعددة.
تواجه إيران أزمة متصاعدة في قطاع الطاقة، نتيجة الحصار البحري الأمريكي الذي حد بشكل كبير من قدرتها على تصدير النفط، وتشير التقديرات إلى تراجع الصادرات من نحو مليوني برميل يوميًا قبل الحرب إلى أقل من 600 ألف برميل يوميًا بعد فرض الحصار، وهو ما أدى إلى تراكم كميات ضخمة من النفط داخل البلاد.
في محاولة لتجنب إغلاق آبار النفط، لجأت طهران إلى حلول غير تقليدية، مثل استخدام خزانات مهجورة وتخزين النفط في ناقلات بحرية، بل وحتى نقله عبر السكك الحديدية إلى الصين، غير أن هذه الإجراءات تُعَد مؤقتة ومكلفة، وتعكس حجم الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد الإيراني.
ويحذر خبراء من أن استمرار الأزمة قد يدفع إيران إلى خفض الإنتاج بشكل حاد، ما قد يضر بالبنية التحتية النفطية، خاصة أن العديد من الحقول الإيرانية قديمة وحساسة لأي توقف مفاجئ، بحسب بلومبرج.
وأوضحت وكالة بلومبرج، أن إيران قد تضطر إلى البدء في إيقاف الإنتاج مع نفاد مساحات التخزين، مشيرة إلى أن تجمع ناقلات النفط في تشابهار دليل على استمرار إيران بتحميل النفط.
ونقلت وكالة بلومبرج، عن صور أقمار صناعية، رصد نحو 8 ناقلات عملاقة وناقلات أصغر حجمًا قرب ميناء تشابهار الإيراني.
عرض إيراني وتحفظ أمريكي
في خضم هذه الضغوط، طرحت إيران مقترحًا لإعادة فتح مضيق هرمز مقابل إنهاء الحرب ورفع الحصار الأمريكي، مع تأجيل النقاش حول برنامجها النووي إلى مرحلة لاحقة، ويهدف هذا الطرح إلى تحقيق انفراجة سريعة في ملف الطاقة، دون الدخول في تعقيدات الملف النووي.
لكن الإدارة الأمريكية تعاملت بحذر مع هذا العرض، فقد ناقش الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المقترح مع فريقه للأمن القومي، دون أن يُظهر استعدادًا واضحًا لقبوله، وتؤكد واشنطن أن أي اتفاق يجب أن يتضمن ضمانات صارمة بشأن منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهو ما لم يتضمنه المقترح الإيراني.
كما أبدى مسؤولون أمريكيون شكوكًا بشأن مدى صلاحيات المفاوضين الإيرانيين؛ في ظل تقارير عن انقسامات داخل القيادة الإيرانية بين تيارات متشددة وأخرى أكثر براجماتية.
هرمز ورقة ضغط
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية في الظروف الطبيعية. ومنذ اندلاع الحرب، تراجعت حركة الملاحة بشكل حاد؛ نتيجة الهجمات الإيرانية على السفن من جهة، والإجراءات العسكرية الأمريكية من جهة أخرى.
وتسعى إيران إلى فرض نوع من السيطرة على حركة السفن في المضيق، بما في ذلك فرض رسوم أو اشتراط التنسيق المسبق، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة؛ باعتباره انتهاكًا لحرية الملاحة في الممرات الدولية.
في المقابل، تستخدم واشنطن الحصار البحري كأداة للضغط الاقتصادي، بهدف دفع طهران إلى تقديم تنازلات، خصوصًا في الملف النووي، بحسب "نيويورك تايمز".
وذكرت الصحيفة الأمريكية، عن مصادر أن مسؤولين آخرين بإدارة ترمب يرون أن استمرار الحصار شهرين آخرين سيضر قطاع الطاقة الإيراني، وأن إبرام اتفاق مع إيران لفتح مضيق هرمز هو الخيار الأمثل.
تخزين بدائي
تواجه إيران أزمة متفاقمة في قطاعها النفطي، مع تراكم كميات ضخمة من الخام غير المُباع نتيجة الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة، ما يدفع طهران إلى البحث عن حلول استثنائية لتفادي وقف الإنتاج بالكامل، في وقت تتعثر فيه المفاوضات لإنهاء الحرب.
مع تقلص القدرة على تصدير النفط، لجأت إيران إلى وسائل غير تقليدية لتخزين الفائض، شملت إعادة تشغيل خزانات مهجورة تُعرف بـ"التخزين الخردة"، واستخدام حاويات مؤقتة، فضلًا عن الاعتماد على ناقلات بحرية لتخزين النفط في عرض البحر، كما تحاول نقل الخام عبر السكك الحديدية إلى الصين، في خطوة تعكس حجم الضغوط التي تواجهها.
وتهدف هذه الإجراءات إلى كسب الوقت وتفادي أزمة في البنية التحتية النفطية، في ظل تكدس الإنتاج داخل البلاد، حيث لم يعد بالإمكان تصريفه عبر القنوات التقليدية.
تشير بيانات شركة "كبلر" لتحليل أسواق السلع إلى أن صادرات النفط الإيرانية تراجعت بشكل حاد منذ فرض الحصار، فبعد أن بلغت نحو 2.1 مليون برميل يوميًا في أوائل أبريل، انخفضت إلى نحو 567 ألف برميل يوميًا خلال النصف الثاني من الشهر، مع تسجيل خمس شحنات فقط.
وقبل اندلاع الحرب، كانت إيران تصدر في المتوسط نحو مليوني برميل يوميًا، ومع محدودية القدرة على تحميل النفط على الناقلات، بدأت شركة النفط الوطنية الإيرانية بالفعل في خفض الإنتاج تدريجيًا لتفادي اختناقات خطيرة.
وتتوقع التقديرات أن ينخفض الإنتاج إلى ما بين 1.2 و1.3 مليون برميل يوميًا بحلول منتصف مايو إذا استمر الحصار، وبحسب "وول ستريت جورنال"، فإن إيران تحاول نقل النفط إلى الصين عبر القطارات.
وقالت الصحيفة الأمريكية، إن حصار مضيق هرمز خفض بشدة كميات النفط الإيرانية المحملة على الناقلات.