في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، تتزايد المخاوف الدولية من تداعيات أي تصعيد محتمل في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية لنقل النفط والتجارة العالمية، وسط تحذيرات من انعكاسات خطيرة على أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وموازين القوى الاقتصادية والعسكرية عالميًا، في وقت تتباين فيه الرؤى بشأن سبل احتواء الأزمة وتداعياتها القانونية والاقتصادية والسياسية.
قال الدكتور ممدوح سلامة، خبير الطاقة والنفط العالمي، إن التعامل مع الألغام البحرية في ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز يتم عادة عبر كاسحات ألغام، إلا أن الوضع الحالي يختلف بشكل كبير في ظل سيطرة إيران على المضيق.
وأوضح "سلامة"، في تصريحات لقناة "القاهرة الإخبارية"، أن إرسال كاسحات ألغام أمريكية إلى المنطقة سيكون محفوفًا بمخاطر كبيرة، نظرًا لاحتمال استهدافها بالصواريخ الإيرانية، ما يجعل هذه الخطوة شبه مستحيلة في الوقت الراهن، مضيفًا أن أي تحرك عسكري مباشر في هذا السياق قد يؤدي إلى تصعيد أكبر، خاصة أن طبيعة الممرات البحرية تجعل أي مواجهة فيها شديدة الحساسية من الناحية العسكرية والأمنية.
ألغام بحرية
وقال سلامة إن الألغام البحرية في مضيق هرمز لا تمثل الخطر الوحيد، بل تسهم أيضًا في تعطيل حركة ناقلات النفط والسفن التجارية، ما يفاقم من الأزمة ويزيد من تداعياتها الاقتصادية عالميًا، مضيفًا أن الولايات المتحدة لن تتمكن من فتح المضيق إلا إذا استجابت لشروط إيران، مشيرًا إلى أن طهران تستخدم المضيق كسلاح استراتيجي للضغط من أجل فك الحصار ووقف العمليات العسكرية.
وأشار إلى أن الدول الأوروبية تنظر إلى الصراع مع إيران باعتباره ليس حربها ولم تُستشر فيه، كما أنها لا ترغب في الانخراط العسكري، لكنها تتأثر بشدة بإغلاق مضيق هرمز باعتبارها من أكبر المتضررين بعد الولايات المتحدة نتيجة تعطل إمدادات النفط، مشيرًا إلى أن أي محاولة أوروبية لإرسال قوات بحرية قد تواجه مخاطر مشابهة، حيث ستكون عرضة للاستهداف، ما يعقّد المشهد ويجعل احتواء الأزمة أكثر صعوبة.
من جانبه قال ماهر نقلا الفرزلي، مدير عام المعهد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي، إن صانعي القرار بدأوا "يستفيقون ببطء شديد من سبات طويل"، مشيرًا إلى أن مستوى الوعي الاستراتيجي في الولايات المتحدة يفوق نظيره في أوروبا خلال المرحلة الحالية.
وأوضح "الفرزلي"، في تصريحات لقناة "القاهرة الإخبارية"، أن الحكومة الصينية، إلى جانب شركات القطاع الخاص العاملة في مجالات الهندسة والطاقة والنقل، تضخ استثمارات بمليارات الدولارات شهريًا في مشاريع البنية التحتية حول العالم.
وأضاف أن هذه الاستثمارات تتركز على محورين رئيسيين هما النقل والطاقة، في إطار استراتيجية متكاملة تستهدف تعزيز النفوذ الاقتصادي الصيني عالميًا، وترسيخ حضور بكين في مراكز التجارة والإمداد الدولية، مشيرا إلى أن مضيق هرمز يُعد أحد أهم ركائز البنية التحتية البحرية العالمية، لافتًا إلى أن المخططين الصينيين يعملون منذ أكثر من ربع قرن على تطوير استراتيجيات ترتبط به ضمن مشروع طريق الحرير الجديد.
وأشار إلى أن هذا المشروع يشكل أحد أسس القوة الصناعية والتجارية للصين اليوم، في ظل توسع استثماراتها وربطها للممرات البحرية والبرية الحيوية، مضيفا أن السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز تمنح طهران موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، خاصة فيما يتعلق بحركة التجارة العالمية وإمكانية فرض الرسوم على المرور البحري، ما يعزز من تأثيرها في موازين القوى الإقليمية والدولية.
وأكد أن هذه المعطيات تفرض على أوروبا إعادة تقييم سياساتها الاقتصادية والاستراتيجية، لمواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام العالمي.
الأوضاع الإقليمية
من جانبه، قال القبطان الدكتور عبد الأمير الفرج، محكم المنازعات البحرية والدولية، إن مضيق هرمز يقع في منطقة شديدة التعقيد سياسيًا، ما يجعل البحث عن بدائل له أمرًا محدودًا وغير عملي في الوقت الحالي، في ظل حساسية الأوضاع الإقليمية وتشابك المصالح الدولية، موضحا أن البدائل المطروحة نظريًا يصعب تنفيذها على أرض الواقع، وهو ما يضاعف من خطورة استمرار الأزمة وتأثيراتها على حركة الملاحة الدولية.
وأضاف أن دول الخليج، وعلى رأسها الكويت والبحرين وقطر، تُعد من أكثر الدول تضررًا من تداعيات إغلاق المضيق، نظرًا لاعتمادها الكبير على حركة الملاحة والطاقة، فيما تأتي إيطاليا كأكثر الدول الأوروبية تأثرًا بالأزمة، مؤكدًا أن التأثير يمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية والأسواق الدولية.
وقال إن تداعيات أزمة مضيق هرمز لن تتوقف عند حدود المواجهات الحالية، بل ستستمر حتى بعد انتهائها، من خلال نزاعات قانونية متوقعة بين ملاك السفن وأصحاب البضائع والمستأجرين، إلى جانب شركات التأمين، مضيفا أن المطالبات بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالسفن والبضائع ستتزايد بصورة كبيرة، موضحًا أن الحصول على تعويضات من إيران خلال فترة الحرب يُعد أمرًا بالغ الصعوبة.
وأشار إلى أن الأزمة لم تكن مفاجئة، بل سبقتها مؤشرات وتحذيرات مبكرة، وكان السوق العالمي مستعدًا جزئيًا للتعامل معها على المدى القصير، إلا أن استمرارها قد يؤدي إلى تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي.
ودعا إلى إنشاء مركز استراتيجي دولي في المنطقة برعاية أممية، يتولى تنظيم حركة الملاحة والتعامل مع الأزمات البحرية، بما يسهم في تفادي تكرار مثل هذه الأزمات.