الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

من المكانس للقوة النارية.. الجيش الألماني يتخلص من مساوئ الماضي

  • مشاركة :
post-title
جنود من الجيش الألماني في مناورة تدريبية

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

في سبتمبر 2014، عندما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتوجه بقواته نحو شبه جزيرة القرم الأوكرانية، كان سيناريو تدريب "نوبل ليدجر" بسيطًا وعاجلًا، إذ كان من المقرر أن تتدرب قوة الرد السريع التابعة لحلف الناتو على الانتشار في دولة حليفة تواجه هجومًا وشيكًا. وتم إرسال كتيبة المشاة المدرعة 371 التابعة للجيش الألماني إلى النرويج.

وقتها كانت هناك مشكلة، فالوحدة الألمانية، التي شُلّت بسبب سنوات من تخفيضات الإنفاق الدفاعي، كانت تعاني من نقص حاد في المدافع الرشاشة، لدرجة أن جنودها لجأوا إلى تركيب عصي المكانس المطلية على الأبراج المفتوحة لمركباتهم المدرعة من طراز "بوكسر"، ما أطلق مزحة بين المتدربين بأنهم "سيكنسون خصومهم من ساحة المعركة".

لكن ما يدل على مدى إفراط بلادهم في الاستفادة من مكاسب السلام التي أعقبت الحرب الباردة، بدا وكأن الجنود الألمان كانوا محظوظين بامتلاك أي نوع من المركبات العسكرية العاملة، حتى لو كانت عاجزة عن إطلاق النار على فراشة. أما في الداخل، فقد كانوا يتدربون أحيانًا في سيارات مرسيدس مدنية عادية إذا لم تكن هناك ناقلات جند مدرعة صالحة للعمل.

والآن، فجأة، باتت الصورة مختلفة تمامًا. حيث تحاول ألمانيا التخلص من ذكريات القرن العشرين المؤلمة وفضائح الماضي القريب خلال حقبة النازية، من خلال إطلاق أحد أكبر برامج إعادة التسلح في تاريخها في زمن السلم.

توسيع القدرات

مدفوعةً بالهجوم الذي شنّه بوتين على أوكرانيا، وعدم موثوقية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الواضحة، تسعى ألمانيا إلى بناء "أقوى جيش نظامي في أوروبا".

هذا المصطلح مأخوذ من أول وثيقة استراتيجية عسكرية نشرها الجيش الألماني (البوندسفير) هذا الأسبوع. وتصف الوثيقة، في أربعين صفحة مصورة، كيف تعتزم ألمانيا الوفاء بـ"مسؤوليتها" تجاه الأمن الأوروبي. وحسب ما ذكرت صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية، فإن ما يميز هذا الموقف عن تصريحات الحكومات الأوروبية الأخرى هو أن القادة الألمان يدعمون طموحاتهم بأموال حقيقية.

في عام 2014، استثمرت ألمانيا 35 مليار يورو فقط في الدفاع، أي أقل بنحو الثلث مما استثمرته بريطانيا. منذ ذلك الحين، ضاعفت ألمانيا إنفاقها العسكري بأكثر من ثلاثة أضعاف ليصل إلى 106.9 مليار يورو في العام الماضي، محققة أكبر ميزانية دفاعية في أوروبا.

كما نجح المستشار الألماني، فريدريش ميرز، في الحصول على تعديل دستوري يُعفي الإنفاق الدفاعي من الحد القانوني للدين الحكومي. من حيث المبدأ، يُلغي هذا التعديل أي سقف لحجم استثمارات ألمانيا.

وقال ميرز العام الماضي: "بالنظر إلى التهديدات التي تواجه حريتنا وسلامنا في قارتنا، فإن قاعدة دفاعنا الآن هي: "مهما تطلب الأمر".

لا تُقدّم الاستراتيجية العسكرية الألمانية أرقامًا محددة بشأن القدرات التي ستطورها ألمانيا الآن. ولا توجد أرقامٌ تُشير إلى عدد الدبابات أو المدفعية الثقيلة أو المركبات القتالية المدرعة التي سينشرها الجيش الألماني (البوندسفير) خلال عشر سنوات. وبدلًا من ذلك، تركز الوثيقة على "الآثار" التي يجب تحقيقها، وتحديدًا "طمأنة" الحلفاء و"الردع الموثوق" لروسيا.

ولتحقيق هذه الغاية، ستتخذ ألمانيا خطوة غير مسبوقة تتمثل في نشر لواء قتالي بشكل دائم في ليتوانيا، على الجناح الشرقي لحلف الناتو، بين جيب كالينينجراد الروسي شديد التحصين ودولة بيلاروسيا التابعة للكرملين.

أيضًا، وستحصل ألمانيا على قدرات "الضربة الدقيقة العميقة"، ما يعني صواريخ بعيدة المدى مصممة لضرب أهداف داخل روسيا.

مع ذلك، لا تشير الوثيقة إلى أن ألمانيا قد تصل إلى حد تطوير أسلحتها النووية الخاصة. فهي محمية حاليًا بردعين نوويين ملتزم بهما حلف الناتو، وهما الردع الأمريكي والبريطاني "ولكن إذا لم يكن الردع الأمريكي موثوقًا به، ورغبت ألمانيا في إيجاد حماية إضافية، فسيكون خيارها الوحيد هو طلب الحماية من فرنسا"، وفق التقرير.

قيود وحلول

في الواقع، لا تشكل الأموال عائقًا أمام التوسع العسكري لألمانيا، فالقيود الوحيدة هي "التجنيد والقدرة الصناعية والإرادة السياسية"، كما يشير التقرير.

فيما يتعلق بالتجنيد، فإن الهدف هو أن يتوسع الجيش الألماني من 185 ألف فرد نظامي حاليًا إلى 260 ألفًا بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، ومن 60 ألفًا من جنود الاحتياط إلى 200 ألف خلال الفترة نفسها.

وبينما إيجاد عدد كافٍ من المتطوعين سيكون "المشكلة الأكبر"، لكن التجنيد العسكري ارتفع بنسبة 10% منذ العام الماضي، وزادت الطلبات بنسبة 20%. وإذا فشلت كل المحاولات، فلدى ميرز خيار إعادة التجنيد الإجباري، الذي علّقته ألمانيا عام 2011.

أما فيما يتعلق بالقدرة الصناعية، فتتمتع ألمانيا بأكبر اقتصاد في أوروبا وأكبر قطاع صناعي فيها. وتخطط شركة "راينميتال"، عملاق صناعة الدفاع، لإنتاج 1.5 مليون قذيفة العام المقبل، ما يعزز مكانتها كأكبر منتج للذخيرة للدبابات والمدفعية في أوروبا.

تقول "ذا تليجراف": إذا كان هناك أي بلد أوروبي قادر على بناء قاعدة صناعية للتوسع العسكري السريع، فهو ألمانيا.

وعن الإرادة السياسية، فقد رأت الحكومات السابقة في برلين أن عبء الماضي النازي يجب أن يمنع أي تأكيد على القيادة العسكرية الألمانية للقارة. أما الآن، فيقول وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس: "يجب أن تكون الإشارة واضحة بأن ألمانيا تقود الطريق، كقائدة بين الدول الأوروبية".

لكن حتى اليوم، لم يتعافَ الجيش الألماني بعد من حقبة التقشف والإهمال. وربما بدأ الإنفاق الدفاعي الألماني الضخم أخيرًا. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بالإمكان إتمام هذا الأمر بالسرعة الكافية لتغيير حسابات بوتين ومنع أي هجوم روسي مزعوم على هدف جديد.