لم يكن اسم ماركو روبيو يتصدر قوائم خلفاء دونالد ترامب قبل أشهر قليلة، لكن المشهد تبدل اليوم بشكل لافت، إذ باتت أوساط نافذة داخل البيت الأبيض تنظر إليه بجدية متصاعدة بوصفه مرشحًا محتملًا لانتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2028. في هذا الصدد كشفت صحيفة بوليتيكو الأمريكية عن تحول لافت يعكس ثقةً متنامية بقدرات الرجل داخل دوائر السلطة، استنادًا إلى سجله في إدارة الملفات الخارجية الشائكة وولائه الراسخ للرئيس ترامب.
من هزيمة 2016 إلى نجم البيت الأبيض
يحمل روبيو في سيرته السياسية أثقالًا لم تكن هينة، إذ خاض سباق الرئاسة عام 2016 وخرج خاسرًا، ووُصف آنذاك بأنه "صقر" ينتمي إلى المؤسسة الجمهورية التقليدية بعيدًا عن روح حركة ماجا، غير أن الرجل اختار مسارًا مختلفًا عن بعض منافسيه السابقين، فبدلًا من أن يسلك طريق جون كاسيك الذي أيّد جو بايدن، التزم روبيو بترامب وأمسك بتحوله نحو ماجا بيدين راسختين.
وهو ما لفت إليه مستشار ترامب أليكس بروسيويتز في حديثه لبوليتيكو، الذي اعتبر أن روبيو "أصبح أحد أشد حلفاء ماجا وأكثرهم وفاءً ودفاعًا عنها".
وذكرت الصحيفة أن ترامب يُحب حماس روبيو، وهو ما يمنحه ورقة إضافية في علاقته بالرئيس.
سلاحان في يد واحدة
توضح بوليتيكو أن ما يميز روبيو عن غيره من المرشحين المحتملين ليس فقط سجله، بل موقعه الفريد داخل منظومة السلطة، فبحكم جمعه بين منصبي وزير الخارجية ورئيس مجلس الأمن القومي، يجلس روبيو في قلب القرار الإستراتيجي الأمريكي، وله مكتب في الجناح الغربي يتيح له الاحتكاك اليومي بترامب.
وأشار شون سبايسر، المتحدث الأسبق باسم البيت الأبيض، إلى أن هذا "القرب والتواصل المباشر مع الرئيس ومع قاعدة ماجا كان له أثر بالغ" في تصاعد نجم روبيو، فيما وصفه مسؤول رفيع في البيت الأبيض بأنه "وفي، وذكي، وبليغ، وذو خبرة واسعة"، مضيفًا أن "روبيو 2026 يبدو واثقًا ممن هو، ولا يرى أن عليه إثبات شيء"، في إشارة إلى النضج الذي اكتسبه مقارنةً بنسخته الأكثر توترًا في سباق 2016.
إنجازات تُقنع المترددين
لم تأتِ شعبية روبيو المتصاعدة من فراغ، إذ أسهم بدور محوري في ملف فنزويلا، وتنسيق العمليات التي أفضت إلى الإطاحة بنيكولاس مادورو وإخضاعه للقضاء الأمريكي، إضافةً إلى إدارة خطة التنمية الاقتصادية لمنطقة غرب الكرة الأرضية بالتنسيق مع أجهزة حكومية متعددة.
وعلى صعيد الهجرة، طبّق سياسة "الضربة الواحدة" لإلغاء التأشيرات، وأسقط آلاف تأشيرات الطلاب الأجانب.
والأهم من ذلك، أنه نجح في تقديم هذه الملفات الشائكة بلغة "أمريكا أولًا" التي تُشبع جمهور ماجا وتُقنع المترددين في آنٍ واحد.
وانعكس ذلك على استطلاعات الرأي، إذ أظهر استطلاع CPAC الأخير قفزة روبيو من 3% إلى 35%، فيما كشف استطلاع YouGov في أبريل 2025 أن شعبيته ارتفعت من 33% إلى 42%، مقارنةً باستطلاع سبتمبر 2024، في مقابل تراجع طفيف لفانس الذي لا يزال يتصدر بـ53%.
فانس لا يزال في الصدارة
لا تعني هذه الأرقام أن روبيو بات الخيار الأول، فنائب الرئيس جي دي فانس لا يزال يحتفظ بقيادة واسعة في الاستطلاعات، وتسانده شبكة علاقات قوية تضم دونالد ترامب الابن وإيلون ماسك، غير أن المعطى الجديد هو أن روبيو دخل دائرة الحسابات الجدية داخل البيت الأبيض، وأصبح اسمه يُذكر بصراحة بين مسؤولين كانوا يُحجمون حتى وقت قريب عن الخوض في مستقبل ما بعد ترامب.
وصرح روبيو بأنه لن يتحدى فانس، ما يعني أن أي سيناريو لترشحه مشروط بانسحاب نائب الرئيس، أما ترامب، الذي سيكون كلمته الفصل في هذا السباق، فلن يُعلن موقفه على الأرجح قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل.
أصوات متحفظة
على الرغم من هذا الزخم، ثمة أصوات داخل التيار الشعبوي لا تزال متحفظة، إذ يرى ستيف كورتيس، المستشار السابق لترامب، أن روبيو "يتحدث لغة ماجا لكنه في جوهره جمهوري من الطراز القديم الذي يؤمن بخفض الضرائب وبناء الجيش"، مستدركًا أن "هذا لن يُشعل حماس الناخبين في عصر شعبوي".
كما أن معطيات الحرب الدائرة مع إيران ستُلقي بظلالها على مستقبله السياسي، فضلًا عن أن روبيو نفسه لم يُفصح بعد عن رغبة صريحة في خوض السباق الرئاسي.
وكما قال أحد المقربين منه لبوليتيكو: "الناس يحبونه، لكن في النهاية على ماركو أن يقرر ما إذا كان يريد ذلك فعلًا".