قبل أيام قليلة من عيد الميلاد، تباهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مؤتمر صحفي عقده في منتجعه "مار إيه لاجو" بولاية فلوريدا، بما أراد أن يصنعه من فئة جديدة من البوارج الحربية طلبها من وزير البحرية جون فيلان، قائلًا: "ستكون الأسرع والأكبر، وبلا شك أقوى بمئة ضعف من أي بارجة حربية بُنيت على الإطلاق".
كان فيلان، وهو مستثمر ملياردير يملك منزلًا بالقرب من المنتجع، يقف بجانب الرئيس في أثناء إعلانه الخبر، وكانت مهمته هي تسليم أولى سفن ترامب الحربية بحلول عام 2028.
لكن يبدو أنه لم يستطع تحقيق حلم جاره الرئيس، بعد أن كافح من أجل وضع خطة لتسليم السفن في الجدول الزمني شبه المستحيل الذي طالب به ترامب، كما نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين كبار في وزارة الحرب وإدارة ترامب، وربما هذا هو ما دفع الرئيس لإقالته الأربعاء الماضي.
وكان فيلان لعب دورا بارزا في إقناع ترامب بالسفن الجديدة وخططه الطموح لتنشيط أسطول البحرية الأمريكية وصناعة بناء السفن الأمريكية.
وخلال جلسة استماع تثبيته العام الماضي، قال فيلان إن الرئيس كان يرسل له رسائل نصية في وقت متأخر من الليل ليسأله عن "السفن الصدئة أو السفن الموجودة في أحواض بناء السفن" وماذا سيفعل حيالها.
وقبل أن تستقر البحرية الأمريكية على خططها بشأن البارجة من فئة "ترامب"، أقنع فيلان الرئيس بالفكرة من خلال عرض لوحات زيتية لبعض البوارج العظيمة التابعة للبحرية من عصور سابقة، وفقًا لما نقل التقرير عن مسؤولين في وزارة الحرب.
برنامج السفن
يُعدّ فيلان أول وزير عسكري يُجبر على ترك وزارة الحرب في إدارة ترامب الحالية، مع أنه ليس المسؤول الكبير الوحيد في البنتاجون الذي أُقيل.
فقد قام وزير الحرب بيت هيجسيث بفصل أو تهميش أكثر من 20 جنرالًا وأدميرالًا خلال العام الماضي، بمن فيهم رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج، في وقت سابق من هذا الشهر.
كما دخل هيجسيث في خلافات مع وزير الجيش دانيال دريسكول، حول الترقيات ومجموعة من القضايا الأخرى.
وحسب التقرير، أثار التغيير المستمر في صفوف كبار مسؤولي البنتاجون في الوقت الذي ينخرط فيه الجيش الأمريكي في حرب مع إيران قلق كبار أعضاء الكونجرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وتلفت الصحيفة إلى أن نقطة الانهيار بالنسبة لفيلان، الذي كان يقول في كثير من الأحيان إنه وترامب كانا يتبادلان الرسائل النصية ويتحدثان عبر الهاتف بانتظام، جاءت في الأسبوعين الماضيين مع تزايد إحباط الرئيس من إدارة فيلان لبرنامج السفن الحربية الذي يحظى بتقدير كبير، وقيام خصوم فيلان في البنتاجون، بمن فيهم هيجسيث ونائبه ستيفن فاينبرج، بحملة لإجباره على الرحيل.
ففي وقت سابق من هذا الشهر، أبلغ هيجسيث وفاينبرج ترامب بأن "وزير البحرية لا يجيد العمل الجماعي ويجب إقالته"، وفقًا لما نقلت الصحيفة عن مسؤولين عسكريين، واتصل ترامب بفيلان لمناقشة علاقته المتوترة مع قادة آخرين في البنتاجون.
ومؤخرًا، استولى فاينبرج وهيجسيث على بعض صلاحيات اتخاذ القرار من فيلان، حيث عيّنا أدميرالًا بثلاث نجوم للإشراف على ملف الغواصات التابع للبحرية، وجعلاه يقدم تقاريره مباشرة إلى فاينبرج.
وترك ذلك فيلان مسؤولاً عن الإشراف على استثمار كبير في سفن جديدة، أطلق عليها ترامب اسم "الأسطول الذهبي"، والذي تم بناؤه حول برنامج السفن الحربية المحبوب لدى الرئيس.
رؤية طموح
نادرًا ما يولي الرؤساء الأمريكيون اهتمامًا كبيرًا بالمشتريات العسكرية، لكن ترامب تحدث مرارًا وتكرارًا عن خططه لبناء بارجة جديدة من فئة "ترامب".
وفي خطاب ألقاه في فبراير أمام جنود في فورت براج بولاية كارولاينا الشمالية، أصر ترامب على أنه أسهم في تصميم هذه الفئة الجديدة من السفن التي تحمل اسمه، وقال: "وضعت المزيد من الروح في الهيكل.. أريد أن تبدو تلك السفينة رائعة".
وبالنسبة لترامب، جاء حماسه للفكرة من مسلسل "النصر في البحر"، وهو مسلسل تلفزيوني وثائقي عُرض في الخمسينيات من القرن الماضي، وأشاد بالدور الذي لعبته البوارج وغيرها من سفن البحرية في الحرب العالمية الثانية.
وهكذا تساءل أمام الصحفيين في يناير أثناء حديثه عن البوارج الجديدة: "هل سبق لكم أن شاهدتم فيلم 'النصر في البحر؟ يا له من شيء رائع أن تشاهدوه".
وفي ميزانيتها الدفاعية البالغة 1.5 تريليون دولار، والتي صدرت في وقت سابق من هذا الأسبوع، طلبت إدارة ترامب 65.8 مليار دولار لبناء السفن، وهو ثاني أكبر اقتراح لميزانية بناء السفن منذ عام 1955، وفقًا لبيانات مكتب الميزانية في الكونجرس.
وقال مسؤولون في البحرية إنها تتوقع أيضًا أن تطلب 17 مليار دولار في السنة المالية 2028؛ لبدء بناء أول سفينة من فئة "ترامب".
رغم هذا، قال مسؤولون دفاعيون كبار إن البرنامج -إلى جانب خطط ترامب الطموح لأسطوله الذهبي- يشوبه العديد من المشكلات، وأضافوا أن "صناعة بناء السفن الأمريكية لا تملك القدرة الكافية لبناء سفينة حربية متطورة تقنيًا من النوع الذي يتصوره ترامب في السنوات القليلة المقبلة".
وتلفت "نيويورك تايمز" إلى أنه "في مخيلة ترامب، ستكون السفينة الحربية الجديدة ضخمة، يصل وزنها إلى 40 ألف طن، وستكون مليئة بأسلحة عالية التقنية جديدة، مثل الليزر والصواريخ فرط الصوتية ومدافع السكك الحديدية الكهربائية، ومعظمها لا يزال قيد التطوير ويحتاج إلى سنوات قبل نشره".
لكن في الأسابيع الأخيرة، اتضح أمام فيلان أن البحرية الأمريكية وصناعة بناء السفن الأمريكية لا تملكان القدرة على تحقيق رؤية ترامب.
وأشار مؤخرًا إلى ترامب بأن البحرية قد تضطر إلى الاعتماد على أحواض بناء السفن الأوروبية لتسليم البوارج ضمن الجدول الزمني الطموح الذي يطالب به ترامب، وفقًا لما ذكره مسؤولون عسكريون وإداريون رفيعو المستوى.