الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ماذا لو دعم الشرق الأوسط مبادرة "السادات" للسلام؟.. قراءة في الفرص الضائعة

  • مشاركة :
post-title
الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات

القاهرة الإخبارية - ياسمين يوسف

لطالما ارتبطت التحولات الكبرى في العالم العربي بمدى دقة قراءة القيادات السياسية للواقع واستشرافها للمستقبل، ويشير خبراء إلى أن غياب التنسيق العربي المشترك، إلى جانب ضعف التقدير الإستراتيجي من البعض في بعض المحطات التاريخية، ولا سيما مبادرة السلام التي أطلقها الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات في 9 نوفمبر عام 1977 أدى إلى ضياع فرص كان من الممكن أن تعزز من مكانة الدول العربية وتدعم قضاياها المركزية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. 

مبادرة السادات، هي مبادرة لإحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط أعلنها الرئيس المصري الراحل في خطاب ألقاه أمام مجلس الشعب المصري عن نوايا زيارة إسرائيل لإلقاء خطاب أمام الكنيست، وكان هذا الإعلان هو نقطة البدء في مبادرة السلام.

وتُعد المبادرة نموذجًا بارزًا في إعادة توجيه المسار السياسي، فبعد نكسة يونيو 1967 وحرب الاستنزاف، تمكنت القوات المسلحة المصرية من تحقيق إنجاز عسكري قلب موازين المنطقة في حرب أكتوبر 1973، ثم انتقلت القاهرة إلى مسار سياسي ودبلوماسي أعاد رسم علاقاتها الدولية. 

وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية التي واجهتها البلاد، استطاع "السادات" ببراعته الحفاظ على الاستقرار الداخلي، والانفتاح على القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، ويرى محللون لموقع "القاهرة الإخبارية" أن خضوع بعض الدول العربية لضغط الشارع دون موازنة دقيقة بين الاعتبارات الشعبية والمصالح الإستراتيجية أدى إلى تبني سياسات انعكست سلبًا على القضية الفلسطينية والعلاقات العربية الإقليمية والدولية. 

مبادرة تاريخية

وصف الكاتب الصحفي المصري إسلام عفيفي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة "أخبار اليوم"، مبادرة الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات بأنها "تمثل نموذجًا في إعادة توجيه السياسات الوطنية وفق رؤية مستقبلية".

وأشار "عفيفي" في تصريحات خاصة لموقع القاهرة الإخبارية إلى أن مصر -رغم خروجها من حرب طويلة بدأت منذ عام 1967 مرورًا بحرب الاستنزاف وصولًا إلى انتصار أكتوبر 1973- تمكنت من إعادة بناء علاقاتها الدولية.

وصرح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس الدكتور أيمن الرقب، بأن مبادرة "السادات" "نمثل نموذجًا لرؤية سياسية استباقية، لكنها لم تحظَ بالدعم الكافي في حينها، ما أدى إلى ضياع فرصة تاريخية كان من الممكن أن تغيّر مسار الصراع في المنطقة، وتفتح الباب أمام تسوية أكثر استقرارًا وعدالة.

الرئيس المصري الراحل أنور السادات يلقي خطابًا أمام الكنيست الإسرائيلي- أرشيفية
محطة مفصلية

أوضح "الرقب" أن "السادات سعى إلى تحقيق سلام تدريجي يبدأ بخطوات مرحلية، لكنه ينتهي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة تعيش بأمان في المنطقة"، مضيفًا أن "تلك الرؤية -التي طُرحت خلال الفترة بين عامي 1978 و1979- كانت تمثل فرصة حقيقية لإعادة تشكيل المشهد السياسي في الشرق الأوسط".

وأشار "الرقب"، خلال حديثه مع موقع قناة "القاهرة الإخبارية"، إلى أنه "لو نجحت هذه المبادرة في حينها، لكان من المرجح أن نشهد اليوم دولة فلسطينية قائمة ومستقرة"، معتبرًا أن تلك اللحظة التاريخية كانت تحمل إمكانية تغيير جذري في مسار الصراع.

تقدير خاطئ

وأكد "عفيفي" أن "الأمة العربية أهدرت فرصًا تاريخية مهمة نتيجة غياب التقدير الدقيق للمتغيرات السياسية، وضعف التنسيق المشترك بين الدول العربية وقياداتها"، لافتًا إلى أن عدم القدرة على قراءة المستقبل بشكل واقعي، إلى جانب تباين المواقف بين الجبهات العربية، أسهم في إضعاف الموقف العربي في قضايا محورية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

الرأي نفسه تبناه "الرقب"، الذي قال إن "عدم وجود نضج سياسي موازٍ لدى القيادات العربية والفلسطينية آنذاك، حال دون استثمار هذه الفرصة"، مشددًا على أن هذا الرفض أسهم في تعقيد الأزمة وإطالة أمد الصراع.

في 19 نوفمبر 1977، بدأ "السادات" رحلته التي تضمنت زيارة القدس المحتلة وأداء صلاة عيد الأضحى في المسجد الأقصى، وأمام الكنيست الإسرائيلي ألقى خطابه التاريخي الذي ضمنه المبادئ الخمسة للتسوية السلمية للنزاع.

صحف عبرية ترحب بزياردة الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى إسرائيل- أرشيفية
تسبق عصرها

وأشار "الرقب" إلى أن خطاب السادات داخل الكنيست الإسرائيلي حمل مواقف واضحة وصريحة، حيث دعا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها القدس، إلى جانب إقامة دولة فلسطينية.

واعتبر أن هذا الطرح كان يعكس رؤية متكاملة للحل، تقوم على أساس تحقيق الأمن والاستقرار لجميع الأطراف، وليس مجرد تسوية مؤقتة.

تضمنت مبادرة السادات إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجميع الأراضي العربية التي احتُلت بعد يونيو 1967 والاعتراف بحقوق الفلسطينيين وإقامة دولتهم، إلى جانب ضمان أمن جميع دول المنطقة، والالتزام بمبادئ الأمم المتحدة، وإنهاء حالة الحرب.

فرصة ضائعة

واعتبر "الرقب" أن مرور عقود على تلك المبادرة دون تحقيق نتائج ملموسة يعكس حجم الفرص الضائعة، مشيرًا إلى أن مشروع إقامة كيان فلسطيني واجه تحديات كبيرة، أبرزها السياسات الإسرائيلية المستمرة في التوسع والاستيطان.

وأفاد بأن الأحلام بإقامة دولة فلسطينية باتت اليوم أكثر تعقيدًا وبُعدًا مما كانت عليه في أواخر السبعينيات، نتيجة تراكم الأزمات وتغير الوقائع على الأرض.

أما "عفيفي"، فشدد على أهمية بناء إطار عربي مشترك من خلال جامعة الدول العربية، وبالتنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي ودول المغرب العربي، بهدف إنشاء جبهة دبلوماسية واقتصادية، مع إمكانية تطوير تعاون عسكري تدريجي.

وأوضح أن هذا التنسيق لا يستهدف أي طرف، بل يهدف إلى تعزيز الاستقرار وحماية الأمن القومي العربي، الذي وصفه بأنه لا يتجزأ، مشيرًا إلى أن أي تهديد تتعرض له دولة عربية ينعكس بشكل مباشر على باقي الدول في المنطقة.

الحق الفلسسطيني

وقال عبدالفتاح دولة، المتحدث باسم حركة فتح الفلسطينية، إن في الخامس والعشرين من أبريل نستحضر ذكرى تحرير سيناء كإنجاز عربي كبير أعاد التأكيد على أن الأرض يمكن أن تعود لأصحابها بالإرادة والصمود وأن الاحتلال إلى زوال مهما طال الزمن.

وأوضح أن المرحلة التي أطلق فيها الرئيس المصري الراحل مبادرته تعد محطة مفصلية في تاريخ المنطقة، إذ سعى من خلالها إلى بلورة مسار يقوم على استعادة الأرض وترسيخ السلام العادل مع التأكيد على ترابط هذا المسار مع حقوق الشعب الفلسطيني بوصفها جوهر الصراع وأساس أي تسوية حقيقية في المنطقة، غير أن حكومات الاحتلال المتعاقبة ظلت تشكل العقبة أمام الوصول إلى هذه التسوية بفعل العقلية والسلوك العدواني القائم على مواصلة الاحتلال والتوسع الاستعماري على حساب الحق الفلسطيني.

تابع: "في هذا اليوم نؤكد أن تحرير سيناء لم يكن إنجازًا مصريًا فحسب، بل محطة مضيئة في التاريخ العربي المعاصر ورسالة واضحة بأن استعادة الأرض ممكنة، وهو ما يلتقي مع نضال شعبنا الفلسطيني المستمر من أجل الحرية والاستقلال".

وأكد "دولة" في تصريحات خاصة لموقع "القاهرة الإخبارية" عمق العلاقة التاريخية والإستراتيجية مع جمهورية مصر العربية ودورها المحوري في دعم القضية الفلسطينية باعتبارها ركيزة أساسية في منظومة العمل العربي المشترك.

واختتم بأن "أي مسار سياسي في المنطقة لا يمكن أن يكتب له النجاح إلا إذا كان قائمًا على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، باعتبار ذلك المدخل الحقيقي لأمن واستقرار المنطقة".