في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد صناعة السينما بمنأى عن التحديات المعقدة التي فرضتها التكنولوجيا، وعلى رأسها ظاهرة القرصنة، التي باتت تهدد بشكل خاص أفلام المهرجانات ذات الطابع الفني والمستقل، وهذه الأعمال التي تقطع رحلة طويلة بين العروض الدولية والبحث عن فرص توزيع عادلة، تجد نفسها عُرضة للتسريب في أي مرحلة، ما ينعكس سلبًا على فرصها التجارية ويقوض جهود صُنّاعها.
وعلى سبيل المثال وليس الحصر واجه مؤخرًا الفيلم الأردني "كعكة الرئيس" هذا المصير بتسريبه على مواقع عدة بعد عرضه على بعض المنصات العالمية، وهذه ليس مجرد حادثة عابرة، بل مثال واضح على الخطر الحقيقي الذي يهدد صناعة السينما اليوم.
وبينما تفتح القرصنة بابًا غير رسمي لوصول هذه الأفلام إلى جمهور أوسع، فإنها في الوقت ذاته تطرح تساؤلات مُلحة حول مستقبل توزيع أفلام المهرجانات، وقدرة صُنّاعها على حماية أعمالهم وتحقيق عائد عادل منها، في معادلة شائكة تتداخل فيها حقوق الملكية مع إتاحة الفن، وتضع الصناعة بأكملها أمام اختبار حقيقي.
التهديد الأكبر للسينما
يرى المخرج السوداني أمجد أبو العلا، أن القرصنة تُمثل التهديد الأكبر للسينما التي ينتمي إليها، خاصة تلك التي تعتمد على مسار المهرجانات والعروض الدولية قبل الوصول إلى الجمهور، ويوضح في منشور له أن السينما التجارية العربية أقل تأثرًا بهذه الأزمة، نظرًا لاعتمادها على خطط توزيع سريعة ومحددة، إذ يُعرض الفيلم لفترة قصيرة في دور السينما ثم يُطرح سريعًا على المنصات الرقمية، وغالبًا ما تكون حقوق العرض بُيعت مسبقًا، ما يقلل من تأثير القرصنة على صُنّاعها.
وتابع: "تعاني السينما المستقلة أو ذات الطابع الفني من تعقيدات أكبر، إذ تمتد رحلتها عبر المهرجانات لما يقارب العام، مع تعدد المنتجين والموزعين، ما يفتح الباب أمام تسريب النسخ المعروضة في دول مختلفة"، مشيرًا إلى أن عرض فيلم على منصة في دولة بعيدة، مثل تايوان، قد يؤدي إلى تسريبه وانتشاره بشكل غير قانوني في مناطق أخرى، قبل حصوله على فرص عرض رسمية.
ويستشهد بتجربة فيلمه المرهقون، إذ تم إلغاء عرضه العربي في مهرجاني القاهرة وقرطاج على خلفية أحداث غزة، بينما أصرت منصة إلكترونية على المضي في عرضه بالتعاون مع الموزع الفرنسي، ما أدى إلى تسريبه وانتشاره عبر مواقع القرصنة، رغم عدم طرحه في دور العرض العربية أو بيعه لمنصات محلية آنذاك.
كما يلفت إلى وقائع مشابهة، منها تسريب فيلم "عائشة لا تستطيع الطيران" للمخرج مراد مصطفى بنسخة مخصصة للمهرجانات، وكذلك "فيلم ستموت في العشرين" له، الذي أُتيح عرضه عبر أحد المهرجانات السويسرية بشكل إلكتروني لمشتركيه خلال فترة جائحة كورونا، قبل أن يُسربه أحد المشاهدين، شاب سوداني مقيم في سويسرا، بدافع ما وصفه بـ"الإحساس الوطني" وإتاحة العمل للجمهور.
جانبان متناقضان
وأشار الناقد عصام زكريا، في تصريحات لموقع "القاهرة الإخبارية"، إلى أن تأثير القرصنة على أفلام المهرجانات يحمل جانبين متناقضين، إذ تضر هذه الظاهرة بصناعة السينما من ناحية، بينما تسهم من ناحية أخرى في توسيع دائرة المعرفة بهذه الأعمال، التي تعاني أساسًا من محدودية جمهورها، ما قد يؤدي إلى زيادة الاهتمام بها ورفع نسب مشاهدتها.
وأكد زكريا أن مواجهة القرصنة تظل ضرورة، لكنها لا تمثل الحل الوحيد، مشيرًا إلى أهمية تحسين تجربة العرض السينمائي نفسها، من خلال تقديم جودة مشاهدة عالية تتفوق بوضوح على النسخ المقرصنة، التي غالبًا ما تكون منخفضة الجودة أو تحمل علامات مائية.
وأضاف أن تطوير دور العرض وجعلها أكثر تميزًا من حيث الخدمات والتجربة البصرية يمكن أن يشجع الجمهور على تفضيل مشاهدة الأفلام داخل السينما.
كما يشدد الناقد الفني عصام زكريا على ضرورة رفع وعي الجمهور بأهمية خوض تجربة المشاهدة السينمائية الكاملة، إلى جانب إتاحة هذه الأفلام بشكل رسمي وتوسيع نطاق توزيعها. ويقترح أيضًا تنظيم فعاليات موازية مثل الندوات واللقاءات مع صُنّاع الأفلام، بما يخلق حالة من التفاعل والنقاش حول الأعمال، ويحول مشاهدة الفيلم من مجرد عرض إلى تجربة ثقافية متكاملة تجذب الجمهور وتدفعه للمشاركة.