تجد فرنسا نفسها في قلب أزمة وقود حادة، إذ كشفت التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط عن ضعف هيكلي في منظومة الطاقة، فهي تمتلك أضخم أسطول سيارات ديزل في القارة الأوروبية، وتعتمد على الاستيراد لتأمين نصف احتياجاتها من هذا الوقود، فيما يرزح ملايين المواطنين تحت وطأة فاتورة طاقة متفجرة دون أفق واضح لتخفيف الأعباء، وفق ما رصدته صحيفة لوزيكو الفرنسية.
ورقة ضعف فرنسية
تحتل فرنسا المرتبة الأولى أوروبيًا في عدد السيارات العاملة بالديزل، بأسطول يتجاوز 19 مليون مركبة، يفوق بنحو 5 ملايين ما تمتلكه كل من ألمانيا وإسبانيا مجتمعتَين.
وتُشكل هذه السيارات قرابة نصف ما يجوب الطرق الفرنسية يوميًا، وهو ما يجعل البلاد الأكثر تضررًا في أوروبا من تقلبات أسعار النفط العالمية.
وتكشف الصحيفة الفرنسية أن هذا الواقع جاء نتيجة قرارات متراكمة على مدى عقود، أبرزها إغلاق مصافٍ عديدة اعتُبرت غير مجدية اقتصاديًا، ما اضطر فرنسا إلى الاستيراد من الخارج، فتوجهت أولًا نحو روسيا كمورِّد رئيسي، قبل أن تدفعها الحرب الروسية الأوكرانية إلى البحث عن بدائل أبعد، لتستقر اليوم على الاستيراد من منطقة الشرق الأوسط والولايات المتحدة.
ويؤكد رئيس الاتحاد الفرنسي للصناعات النفطية أوليفييه جانتوا، أن نصف الديزل المستهلك محليًا مستورد، مما يعني أن أي اضطراب في المنطقة ينعكس فوريًا على المضخة الفرنسية.
الأسعار تكسر حاجز التحمل
رصدت لوزيكو، نقلًا عن بيانات حكومية جمعتها وكالة فرانس برس، أن سعر لتر الديزل قفز 59 سنتًا على الأقل منذ الثامن والعشرين من فبراير، وهو ارتفاع يفوق بأكثر من الضعف ما شهده بنزين SP95 الذي لم يتجاوز ارتفاعه 28 سنتًا، فيما سجل SP98 زيادة أقل بلغت 26 سنتًا فقط.
وفي السابع من أبريل، بلغ سعر اللتر ذروته عند 2.337 يورو قبيل إعلان وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران مباشرةً.
وفي هذا السياق، نبّه جانتوا إلى مفارقة لافتة، قائلًا إن "الديزل بات أغلى بـ30 سنتًا من بنزين E10، في حين كان يُفترض أن يكون أرخص بعشرة سنتات"، مشيرًا إلى أن هذا الانقلاب في المعادلة السعرية يُلقي بثقله بشكل مضاعف على كاهل الأسر محدودة الدخل التي لجأت تاريخيًا إلى سيارات الديزل المستعملة؛ اعتقادًا منها بأنها أوفر اقتصاديًا.
أوروبا تتدخل وباريس تُحجم
بينما تسابقت الحكومات الأوروبية على إطلاق حزم دعم لاحتواء الأزمة، وقفت فرنسا موقفًا أكثر تحفظًا، ففي إيطاليا، صاحبة ثاني أكبر أسطول ديزل أوروبي بـ16.8 مليون سيارة، خفضت حكومة جورجيا ميلوني الضرائب على الوقود بـ25 سنتًا للتر حتى مطلع مايو.
وفي إسبانيا، أعلن بيدرو سانشيز تخفيضًا مماثلًا؛ بهدف خفض الأسعار عند المضخة بـ22 سنتًا.
والأكثر لفتًا كان المشهد الإيرلندي، إذ يعمل 52% من السيارات بالديزل، فاضطرت الحكومة أمام موجة احتجاجات وإغلاقات متصاعدة، إلى رفع مخصصات الدعم إلى 755 مليون يورو جمعت بين حزمتين متتاليتين.
في المقابل، آثرت حكومة رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، التريث؛ بسبب ضيق الموازنة العامة، رافضةً اللجوء إلى مساعدات شاملة.
واكتفت بتخصيص 50 مليون يورو لقطاع النقل البري الذي تمر عبره 90% من البضائع، مع تعويض يبلغ نحو 20 سنتًا للتر للشركات الصغيرة والمتوسطة، ما وصفه وزير النقل فيليب تاباروت بأنه "إجراء مؤقت قابل للتمديد في مايو إن استمرت الأزمة".
أفق ضبابي
وتشير لوزيكو إلى أنه على الرغم من التراجع المؤقت في أسعار النفط الذي أعقب إعلان إيران إعادة فتح مضيق هرمز، قبل أن تتراجع عن موقفها في اليوم التالي، لا يبدو أن الأسعار ستعود إلى مستوياتها السابقة في المدى القريب.
وقد بات التذمر الاجتماعي واسعًا وممتدًا ليشمل قطاعات متعددة، من سائقي الشاحنات إلى العاملين في رعاية المسنين ومساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يقطعون مسافات طويلة يوميًا.
وأقرّ رئيس الوزراء الفرنسي بأن "الصمود بات عسيرًا"، معلنًا أن حكومته تُعَد حزمة إجراءات إضافية في مايو تستهدف المهن الأشد تضررًا، فيما حرصت الحكومة على الضغط على شركات التوزيع لنقل أي انخفاض في سعر البرميل فوريًا إلى المستهلك عند المحطات.