وسط ارتفاع أسعار الغاز، وكيفية إنعاش منطقة متدهورة، وخطر المُسيّرات الأوكرانية الضالة، انشغلت "نارفا"، ثالث أكبر مدن إستونيا، بعشرات الشائعات المتداولة على الإنترنت بأنها على وشك الانفصال عن بقية البلاد لإنشاء "جمهورية نارفا الشعبية" الموالية لروسيا.
ففي الأسابيع الأخيرة، قامت مجموعة من حسابات وسائل التواصل الاجتماعي المجهولة باللغة الروسية، بنشر صور ورسائل تدعو إلى السيطرة على "نارفا" ومقاطعة "إيدا-فيرو" المحيطة بها، ووصفها بأنها "أرض روسية". وأثارت هذه الحملة، التي تعكس عمليات سبقت توغلات روسيا في شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا، تكهنات غربية بأن الكرملين قد ينتهز الفرصة لاختبار الجناح الشرقي لحلف الناتو.
تقع المدينة على الحدود الشمالية الشرقية لإستونيا، ويفصلها عن روسيا نهر لا يتجاوز طوله 100 متر، وهي أقرب إلى سانت بطرسبرج من عاصمة إستونيا "تالين". كما يشكِّل الناطقون باللغة الروسية 98% من سكان المدينة البالغ عددهم 50 ألف نسمة.
ويحمل أكثر من ثلث السكان جوازات سفر روسية، بينما يشكِّل المتقاعدون ثلثهم "وكثير منهم يشعرون بالحنين إلى الماضي عندما كانت المنطقة، تحت الحكم السوفيتي، مركزًا صناعيًا مهمًا"، حسب تقرير لصحيفة "بوليتيكو".
وفي الماضي، تلاعبت مدينة "نارفا" بالانفصال عن الاتحاد السوفيتي. ففي عام 1993، بعد ثلاث سنوات من إعلان إستونيا استقلالها عن الكتلة السوفيتية -ولكن قبل انسحاب القوات الروسية بالكامل- أجرى مجلس المدينة استفتاءً مرتجلًا على الحكم الذاتي.
من بين ما يقارب نصف السكان الذين حضروا، صوّت 97% لصالح القرار. وكما كان متوقعًا، قضت المحكمة العليا في إستونيا بعدم قانونية النتيجة، ولم تتدخل موسكو، المنشغلة وقتها باضطراباتها الداخلية.
هكذا، بقيت "نارفا" جزءًا من إستونيا، ومنذ عام 2004، أصبحت أيضًا جزءًا من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
لكن بعكس سلفه الراحل بوريس يلتسن، يفضل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إبقاء جيرانه في حالة تأهب دائم. ففي اجتماع مع علماء ورجال أعمال في يونيو 2022، أشاد بالقيصر بطرس الأكبر -حاكم القرن الثامن عشر الذي وصفه بأنه قدوة- لتوسعه في الأراضي التي تشمل "سانت بطرسبرج" و"نارفا" الحاليتين.
الناتو لن يأتي
كان موقع Protastop الإستوني المناهض للدعاية أول من لفت الانتباه إلى حملة ضم المدينة الإستونية على الإنترنت.
في مقال مفصل نُشر في منتصف شهر مارس، تم توضيح كيف قامت حسابات باللغة الروسية على "تيك توك" وموقع Vkontakte -النسخة الروسية من فيسبوك- بإعادة نشر الرسائل والميمات من قناة "تليجرام" تروِّج للاستيلاء على المنطقة من قبل ميليشيا على مدى أسابيع.
قدّمت المجموعة تصميمًا لعلم ونشيد وطني، بل وحتى جدولًا زمنيًا ليوم غير محدد سيتم فيه الاستيلاء على "نارفا". حيث سيكون الاستيقاظ في السادسة، والإفطار في الثامنة، يليه "اقتحام" المدينة بعد ساعة. وسيُختتم كل ذلك بحفل موسيقي احتفالي وألعاب نارية.
حسب "بوليتيكو"، كان من الواضح أن معظم المحتوى مصمم لإثارة الصدمة والتسلية. مثلما أظهر أحد المنشورات كلبًا صغيرًا عليه أعلام لاتفيا وليتوانيا وإستونيا على جبهته، وفمه مغطى بيد كبيرة. وجاء في التعليق: "لن يأتي حلف الناتو".
بعد أسبوع، تمكن صحفيون من صحيفة "بوستيميس" الإستونية، من اختراق قناة "تيلجرام". وخلصوا إلى أن الحسابات "ليست سوى عملية تضليلية سيئة التنفيذ"، ولا يتجاوز عدد متابعيها 60 متابعًا.
لكن بحلول ذلك الوقت، تفاقمت القصة، وتصدرت عناوين الصحف في الخارج، وانتشرت في النقاشات الإلكترونية. وعندما طُلب من كبار السياسيين في البلاد التعليق، بذلوا جهدًا لإنهاء هذه القضية.
روسيا هناك
في عام 2022، احتضنت "نارفا" وضعها الحدودي بشعار جديد وصفها بأنها المكان الذي "تبدأ فيه أوروبا". ومنذ اندلاع الحرب الأوكرانية، ضاعفت الحكومة الإستونية جهودها للحد من نفوذ الكرملين، حيث قامت بحجب قنوات التلفزيون الحكومية الروسية وإزالة العشرات من المعالم الأثرية التي تعود إلى الحقبة السوفيتية.
وفي أواخر عام 2022، أصدرت الحكومة قانونًا يقضي بإلغاء المدارس التي تُدرّس باللغة الروسية بالكامل بحلول عام 2030.
كما مُنع مواطنو الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بمن فيهم حاملو جوازات السفر الروسية في "نارفا"، من التصويت في الانتخابات المحلية. وانتهزت موسكو الفرصة لوصف الإجراءات التي تتخذها إستونيا بأنها "معادية لروسيا".
في الوقت نفسه، أثارت الضجة المثارة حول حملة "جمهورية نارفا الشعبية" نقاشًا داخليًا حادًا، إذ تم توجيه الكثير من الانتقادات إلى Protastop ووسائل الإعلام المحلية لنشرها رسالة المجموعة إلى الجمهور العام.
أما أصحاب الدعاية الزائفة، فقد شكَّل لهم الأمر المزيد من المتابعين، حسب التقارير.