مع اندلاع جولة التصعيد الإسرائيلية الأخيرة في لبنان، وتحويل أعداد كبيرة من المدارس إلى مراكز إيواء لآلاف النازحين الفارين من القصف، برزت عدة تحديات أمام اللبنانيين، على رأسها أزمة النزوح، وتأثير هذه الحرب على أوضاع الأطفال تحديدًا، سواء في حياتهم اليومية أو على مستقبلهم.
وفي مشهد ميداني يعكس تعقيدات الواقع الإنساني في لبنان، تتأرجح حياة الأطفال بين أمل حذر في الاستقرار وخوف مستمر من تجدد العنف، رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار.
ومن داخل مراكز الإيواء والمدارس التي تحولت إلى ملاذ مؤقت، يعيش آلاف الأطفال وأسرهم حالة من الترقب والقلق، في ظل نزوح نحو 20% من السكان خلال الفترة الماضية، ما يكشف حجم المعاناة التي فرضتها الحرب على الفئات الأكثر هشاشة. وتشهد الأوضاع الإنسانية في لبنان تحديات متزايدة تنعكس بشكل مباشر على حياة الأطفال، الذين باتوا يدفعون ثمن الأزمات المتلاحقة، ومع تدهور الظروف المعيشية، تتسع دائرة المعاناة لتشمل جوانب متعددة من حياتهم، ما يطرح تساؤلات ملحّة حول مستقبل جيل ينشأ في بيئة تفتقر إلى الاستقرار والرعاية الكافية.
الأوضاع الإنسانية للأطفال
ومن جانبها، قالت مديرة منظمة أنقذوا الأطفال الدولية في لبنان نورا إنجدال، إن الأوضاع الإنسانية للأطفال اللبنانيين أصبحت بالغة الصعوبة في ظل الأزمات المتواصلة والاستهدافات الإسرائيلية التي شهدتها مناطق عدة، مؤكدة أن اليوم الأول بعد ما يُعرف بوقف إطلاق النار حمل مشاعر مختلطة بين الأمل والخوف لدى السكان، خاصة الأسر والأطفال.
وأضافت، في تصريحات لقناة "القاهرة الإخبارية"، أن كثيرًا من المواطنين استيقظوا وهم غير متأكدين مما إذا كان يمكن الوثوق بأن وقف إطلاق النار سيكون دائمًا ومستمرًا، مشيرة إلى أنها خرجت لتفقد عددًا من المدارس التي تعمل المنظمة من خلالها، وتحدثت مع عائلات وأطفال نازحين ما زالوا يقيمون داخل مراكز الإيواء.
نزوح مليون شخص
وأكدت أن الرسالة الأبرز التي سمعتها من اللبنانيين تمثلت في رغبة عدد كبير منهم في العودة إلى منازلهم، لافتة إلى أن نحو 20% من سكان لبنان، أي ما يزيد على مليون شخص، تعرضوا للنزوح خلال الفترة الماضية، وأن بعض الأسر بدأت بالفعل في التحرك تمهيدًا للعودة إلى مناطقها.
وأشارت إلى أن الخوف لا يزال حاضرًا بقوة بين السكان، إذ إن كثيرين لا يثقون بعد في أن السلام سيكون دائمًا ونهائيًا، ما يجعلهم مترددين في العودة، بينما يواصلون الإقامة في المدارس ومراكز الإيواء.
وشددت على أن الأطفال يعيشون هذه المشاعر المتناقضة بين التطلع إلى الاستقرار والخشية من تجدد العنف، وهو ما يفرض الحاجة إلى دعم إنساني ونفسي عاجل لهم.
توفير الدعم النفسي
وقالت مديرة منظمة أنقذوا الأطفال الدولية في لبنان إن استمرار العملية التعليمية للأطفال في ظل الظروف الراهنة يمثل تحديًا كبيرًا، خاصة بعد نزوح أكثر من مليون شخص، معظمهم من جنوب لبنان والبعض من المناطق الشرقية، ما أدى إلى استخدام عدد كبير من المدارس كملاجئ ومراكز إيواء للنازحين.
وأوضحت أن آلاف الأطفال الذين كانوا يرتادون هذه المدارس فقدوا فرص التعليم لأكثر من 40 يومًا بسبب الحرب وتعطل الدراسة.
وأضافت أن المنظمة تعمل حاليًا على توفير بدائل تعليمية مؤقتة تعتمد على التعلم من خلال اللعب، إلى جانب تقديم الدعم النفسي للأطفال، مؤكدة أن كثيرًا منهم تعرضوا لصدمات شديدة نتيجة ما شاهدوه خلال الحرب، سواء من مشاهد القتل أو فقدان الأقارب أو سماع أصوات القصف والانفجارات بشكل متواصل.
الآثار النفسية
وأكدت أن الآثار النفسية للحرب لا تزال مستمرة حتى بعد وقف إطلاق النار، مشيرة إلى أن الأطفال ما زالوا يعيشون حالة من الخوف الشديد، لدرجة أنهم لا يستطيعون التمييز بين صوت الرعد وصوت القصف، وهو ما يعكس حجم الصدمة التي تعرضوا لها.
وشددت على أهمية وجود مختصين نفسيين لمساعدة الأطفال، إلى جانب دعم الأسر وتمكين الآباء من مساعدة أبنائهم على التعامل مع مشاعر الخوف والقلق.
وأشارت إلى قصة أحد الأطفال الذين التقت بهم داخل أحد الملاجئ المدرسية، حيث أخبرها بأنه حزين ولا يرغب في مغادرة المدرسة، وعندما سألته عن السبب قال إن أصدقاءه أصبحوا هناك الآن.
ولفتت إلى أن الطفل، وهو من جنوب لبنان، تمكن خلال أكثر من 40 يومًا من تكوين صداقات داخل الملجأ، فيما أوضحت والدته أن ما يحتاجه الآن هو الاستقرار والشعور بالأمان والتعافي من آثار ما مر به، مؤكدة أن هذه القصة تعكس احتياج الأطفال الملحّ إلى بيئة مستقرة وآمنة.
وقف إطلاق النار
دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ، الخميس الماضي، ومن المقرر أن يمتد لمدة 10 أيام، حسبما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ومن جهته، وصف الرئيس اللبناني جوزاف عون المفاوضات المباشرة المرتقبة مع إسرائيل بأنها "دقيقة ومفصلية"، مؤكدًا، أمام وفد برلماني، أن تثبيت وقف إطلاق النار وتأمين انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي الجنوبية المحتلة يمثلان الأولوية المطلقة للدولة.