لم تكن سوى مجرد لحظة ولقطة كاميرا حولتها إلى رمز عالمي يختزل مأساة شعب بأكمله وتكشف عمق معاناته وآلامه، صورتها البسيطة بحجابها المحتشم وجسدها النحيل التي تصدَّرت غلاف مجلة "إل إسبريسو" الإيطالية حولها لسلاح فتاك في وجه عدو غاشم لم يرع في أهلها "عهدًا ولا ذمة".. وفي حوارها مع موقع قناة "القاهرة الإخبارية"، تروي المحامية الفلسطينية ميعاد أبو الرب تفاصيل تلك اللحظة، وتستعرض ما حملته من دلالات في سياق القضية الفلسطينية.
من هي ميعاد أبو الرب؟
أنا ميعاد جمال أبو الرب، محامية في الدائرة القانونية بهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أبلغ من العمر 35 عامًا، من مواليد قرية قباطية في مدينة جنين، وأعيش حاليًا في مدينة رام الله في الضفة الغربية المحتلة.
وما دور الدائرة القانونية بهيئة مقاومة الجدار والاستيطان؟
نعمل يوميًا على عشرات الإخطارات بهدم منشآت وتهجير مواطنين لفرض هيمنة الاحتلال على الأرض، والدائرة تستقبل إثباتات الملكية من المواطنين الفلسطينيين وتجهز الملفات القانونية، ثم تحولها لمحامين فلسطينيين يحملون تراخيص إسرائيلية للترافع أمام المحاكم الإسرائيلية.
ماذا كان يحدث قبل وبعد اللحظة التي التُقِطت فيها الصورة؟
نحن في الهيئة نعمل ضمن أجندة دائمة لتنظيم فعاليات تهدف إلى تعزيز صمود المواطنين المهددة أراضيهم بالمصادرة، خاصة الذين لا يستطيعون الوصول إليها، والتُقِطَت الصورة خلال فعالية لقطف الزيتون في خربة سوبا التابعة لبلدة إذنا شمال غربي محافظة الخليل، جنوبي الضفة الغربية.
كانت فعالية سلمية بدأت بأهازيج فلسطينية وأغاني الدلعونا، وبعد أقل من عشر دقائق، هاجمنا مستوطنون مسلحون وبحماية قوات جيش الاحتلال، وبدأوا باستفزازنا وإطلاق قنابل الغاز والرصاص الحي باتجاهنا بهدف إرهابنا وإخراجنا من الأرض.
كيف كان شعورك أثناء المواجهة؟
شعوري أثناء تهديد المستوطن كان مزيجًا من القوة والثبات، ولم يستطع إرهابي أو تخويفي، فأنا صاحبة القضية والأرض والحق.
هل توقعتِ أن تتحول اللحظة إلى رمز إعلامي؟
الصورة التُقِطت في شهر أكتوبر من العام 2025، ولم يلفت انتباهي أن المشهد يتم تصويره، خاصة أن فعالياتنا تشهد دائمًا وجود صحفيين ومتضامنين أجانب مع القضية الفلسطينية.
كيف تلقيتِ اختيار صورتك لغلاف مجلة دولية؟
اختيار صورتي ليكون غلافًا لمجلة دولية كان ممزوجًا بمشاعر الفخر، لأنه أعاد قضيتنا إلى الواجهة من جديد وسط الجبهات الكثيرة التي فتحتها دولة الاحتلال.
ماذا تمثل هذه الصورة عالميًا؟
الصورة كان لها تأثير عالمي كبير وضخم لم تستطع دولة الاحتلال تحمله، وأعقبتها بردود رسمية وتحذيرات في وسائل الإعلام العبرية من كارثة العزلة وفقدان الحلفاء التي يواجهها الاحتلال، وذلك بسبب ما تحمله من مشاهد استفزاز المستوطنين وعنجهيتهم تجاه مواطنين عزل، وأسهمت في فتح أعين المجتمع الدولي على ما نتعرض له يوميًا من ممارسات.
كيف ترين التفاعل الدولي مع الصورة؟
وكالة "فرانس برس" التقطت صورة للمستوطن الذي ظهر في الصورة خلال حادث في أكتوبر 2025، ونشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" ضمن تقرير عن عنف المستوطنين في ديسمبر الماضي، لكن ظهوري في الصورة أضاف لها بعدًا إنسانيًا، كفتاة فلسطينية محجبة تقف بثبات تدافع عن أرضها أمام جنود ومستوطنين مدججين بالسلاح.
هل ينقل الإعلام الدولي الصورة كاملة؟
الإعلام الدولي لا يزال لا ينقل معاناة الشعب الفلسطيني بشكل كامل، لكنني آمل أن تكون هذه الصورة نقطة تحول لإعادة القضية إلى الواجهة من جديد وألا تدخل طي النسيان العالمي.
كيف تردين على الاتهامات الإسرائيلية للصورة؟
السفير الإسرائيلي في إيطاليا جوناثان بيليد اتهم المجلة بأن الصورة ذكاء اصطناعي، لكن رد المجلة كان أقوى بعد نشرها فيديو يوثق ويثبت صحة الصورة، مؤكدة أنها التقطت خلال فعالية سلمية تحولت إلى اعتداء من الجنود والمستوطنين.
كيف تفسرين الغضب الإسرائيلي من الصورة؟
الغضب الإسرائيلي جاء بهذا الحجم لأنهم لا يريدون أن يرى العالم أن التوغل في الضفة الغربية يتم على حساب إلغاء الوجود الفلسطيني وتهجير السكان الأصليين للأرض من أملاكهم وأراضيهم، وأنا كمحامية أتلقى يوميًا عشرات الإخطارات بهدم منشآت وتهجير مواطنين لفرض هيمنة الاحتلال على الأرض.
كيف تنظرين للتوسع الاستيطاني؟
الحكومة الإسرائيلية تواصل التوسع الاستيطاني عبر الهيمنة والاستيلاء على أراضٍ يملكها مواطنون فلسطينيون، دون أي اهتمام لقرارات الأمم المتحدة.
إلى أي مدى تعكس قصتك الواقع اليومي؟
قصتي تمثل واقعًا يوميًا يعيشه المواطن الفلسطيني، حيث يقوم المستوطنون بحماية جيش الاحتلال بحرق الخيام والبيوت، وقتل المواشي، والاعتداء على أصحاب الأراضي واعتقالهم بشكل مستمر.
معاناة الشعب الفلسطيني موجودة منذ قدوم هذا المحتل الغاصب ولكن الهجمات أصبحت أكثر وحشية وعدوانية بعد السابع من أكتوبر، خاصة بعد أن قرر وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن جفير تسليح المستوطنين بالضفة الغربية وإعطاءهم الضوء الأخضر من أجل قتل الفلسطينيين.
كيف تعيشين هذه الأحداث على المستوى الشخصي؟
أنا أم لأربعة أطفال، رزق 7 سنوات، جاد 6 سنوات، والتوأمان قيس وسما عامًا ونصف العام، وأحيانًا تغلبني مشاعر الخوف من الاعتقال ومصير أولادي وكيف يمكن أن أتركهم ورائي، لكن حب الوطن أقوى، وهو ما نغرسه في نفوس أطفالنا.
فقد تعلمت ذلك من والدي وأعلمه لأبنائي، فوالدي تعرض للاعتقال وكان مطاردًا ومطلوبًا لجيش الاحتلال، وهذا لم يثنِ عزيمتي بل على العكس تمامًا زادني إصرارًا على أن أنقل حب الوطن لأبنائي.
ما أكثر ما يؤثر عليك نفسيًا خلال تلك المواجهات؟
خلال الفعاليات التي تنظمها الهيئة نضع أرواحنا على أكفنا، لأن سلاح المستوطنين والجيش موجه نحونا دائمًا، لكن ذلك لا يرهبنا رغم تزايد الانتهاكات بشكل مخيف فإننا أصحاب الأرض والحق.
من موقعك كمحامية.. كيف تقيّمين الانتهاكات التي تحدث في القرى الفلسطينية قانونيًا؟
وفق القانون الدولي، ما يتعرض له الفلسطينيون يعد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ما أبرز العقبات التي تواجه توثيق هذه الجرائم أو ملاحقتها قضائيًا؟
أبرز العقبات هي التوغل الإسرائيلي المتوحش داخل أراضيها وتزوير الحقائق عبر آلة إعلامية جبارة ولوبي صهيوني موجود في كل مكان بالعالم، استطاع من خلاله تزوير الحقائق وتوجيه الرأي العام العالمي.
والشعب الفلسطيني يتعرض منذ عقود لأصناف من القتل والتهديد ولم يكن هناك أي تحرك دولي أو إدانة، وذلك بسبب سيطرة اللوبي الصهيوني على القرار الدولي.
هل هناك استهداف للموارد الحيوية؟
الانتهاكات الإسرائيلية في تزايد مستمر، فهناك سيطرة على المياه والتحكم في كميات الضخ الواصلة إلى جميع مدن الضفة، إضافة إلى السيطرة على أموال المقاصة، وهي الأموال التي تدفع منها الحكومة رواتب موظفيها.
لذلك منذ ما يقارب العامين لم تقم الحكومة بدفع رواتب الموظفين كاملة بسبب السيطرة الإسرائيلية على هذه الأموال، وذلك كله في إطار الضغط الهائل على المواطنين الفلسطينيين من خلال السيطرة على المياه والكهرباء والأموال لدفعهم نحو التهجير.
ما الرسالة التي تريدين توجيهها للعالم؟
القضية الفلسطينية قضية حق وعدل، متجذرة بعمق، وهي قضية يحاول الإسرائيليون طمسها، لكن ثباتنا وصمودنا عميق بعمق شجر الزيتون في فلسطين التي أعمارها أطول من عمر دولتهم المزعومة.
ماذا تقولين للإعلام الدولي؟
كثير من الصحفيين عاشوا معنا الواقع، وأقول لهم إن وجودهم ضروري لنقل الحقيقة إلى العالم.
هل غيّر الحدث مسارك المهني؟
لم أسع لتغيير مساري، أنا كمحامية كان بإمكاني أن أمكث في مكتبي وأقوم بأعمالي المكتبية فقط، لكن نداء الوطن أقوى وخروجي للعمل الشعبي نابع من مشاعر ارتباطي بهذه الأرض.
ما الذي يمنحكِ الاستمرار رغم كل هذه الضغوط؟
ملامسة الواقع اليومي ومعاناة أبناء شعبي هي دافع قوي للاستمرار في دوري للدفاع عن أهلي وأراضي بلدي حسب الاستطاعة والمقدرة بالطرق السلمية، لكننا رغم أننا سلميون نواجه معاناة لا يمكن وصف حجمها.
كيف ترين دورك بعد هذه الضجة الإعلامية؟
المسؤولية أصبحت مضاعفة بعد الضجة الإعلامية الكبيرة للصورة والتي لا أتمكن من وصفها، إذ أعقبتها تواصل مؤسسات دولية معي، واستغللت هذه الضجة في تسليط الضوء أكثر على قضية شعبي من خلال اللقاءات.
كيف تنظرين إلى الدور المصري في دعم القضية الفلسطينية؟
مصر أم الدنيا وشقيقة الوجع والروح، ولا توجد كلمات توفيها حقها، فهي الحضن الدافئ والداعم الأول للقضية الفلسطينية، وأشكر مصر قيادةً وشعبًا ووسائل إعلامها خاصة موقع قناة "القاهرة الإخبارية" لتسليطه الضوء على الصورة والفيديو، ما ساعد في إظهار الحقيقة.