لم تكن عودة أغنية "والله ولعب الهوى" مجرد حضور عابر على منصات التواصل، بل نافذة على زمن كانت فيه الموسيقى تُصنع بروح خفيفة وقلب صادق، فصوت أحمد عدوية الذي يرقص على إيقاع "هوم تيكا تيكا" لا يشيخ، وهذا ثبت بعد أن أعاد مسلسل "هي كيميا" إحياء الأغنية، لتتصدر المشهد وتوقظ في الجمهور حنينًا دفينًا لزمن مختلف.
لكن هذه العودة لم تكن للأغنية وحدها وعدوية، بل كانت استدعاءً لاسم صنع جزءًا أصيلًا من وجدان الموسيقى المصرية في ذاكرة الشعب، هو الموسيقار حسن أبو السعود، الذي تحل ذكرى رحيله اليوم، فيما لا تزال ألحانه تنبض بالحياة كأنها لم تغادر.
حسن أبو السعود، الذي وُلد في 2 أبريل 1948، كان والده عازفًا، ما جعل الطريق إلى الفن يبدو وكأنه قدر مكتوب، إذ بدأ مشواره عازفًا على آلة الأكورديون، الآلة التي التصقت به حتى لُقّب بـ"ساحر الأكورديون"، قبل أن ينطلق منها إلى آفاق أوسع في التلحين والتأليف الموسيقي.
رحلته لم تكن تقليدية؛ فقد بدأ مع فرقة صلاح عرام، ثم انتقل إلى تجربة مختلفة مع فرقة رضا، التي سافر معها إلى اليابان، حيث لم يكتفِ بالأداء، بل درس الموسيقى على أسس أكاديمية، ما منحه رؤية مختلفة في التعامل مع اللحن، وجعله من أوائل من أدخلوا "الربع تون" الشرقي على الآلات الغربية في تجربة موسيقية جريئة سبقت عصرها.
ومع عودته، بدأت ملامح مشروعه الفني تتشكل بوضوح، فكان أحد أبرز صناع الأغنية الشعبية الحديثة، خاصة من خلال تعاونه مع أحمد عدوية، حيث لحن له عددًا من الأعمال التي حققت انتشارًا واسعًا في زمن شرائط الكاسيت، وأسهمت في ترسيخ لون غنائي كامل داخل الوجدان المصري.
لكن أبو السعود لم يحصر نفسه في لون واحد، بل امتد تعاونه ليشمل عددًا من النجوم، من فريد الأطرش إلى هاني شاكر، ومحمد منير، وراغب علامة، وسميرة سعيد، وصولًا إلى أصوات شابة في فترات لاحقة مثل شيرين عبد الوهاب وتامر حسني، وهو ما يعكس قدرته على مواكبة التحولات الفنية دون أن يفقد هويته.
ولعل أحد أبرز تجلياته الفنية كان في الموسيقى التصويرية، حيث ترك بصمة واضحة في عدد كبير من الأفلام التي أصبحت علامات في تاريخ السينما المصرية، مثل العار، والكيف، والبيضة والحجر، ولم يكن يتعامل مع الموسيقى كخلفية، بل كعنصر درامي موازٍ، قادر على التعبير عن المشهد حتى في غياب الحوار، وهو ما تجلى أيضًا في أعمال مثل "سلام يا صاحبي".
كما امتد حضوره إلى الدراما التليفزيونية والمسرح، من خلال أعمال لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور، مثل بكيزة وزغلول، وأولاد الأكابر، ومسرحية شارع محمد علي، إلى جانب تعاونه مع نجوم كبار مثل نور الشريف، وعادل إمام، وأحمد زكي، حيث شكّلت موسيقاه جزءًا لا يتجزأ من نجاح هذه الأعمال.
وعلى الصعيد الإنساني والمهني، لم يكن أبو السعود فنانًا منعزلًا عن قضايا مجاله، بل انخرط بعمق في العمل النقابي، حتى تولى منصب نقيب الموسيقيين عام 2004، وسعى إلى تطوير منظومة الخدمات المقدمة للأعضاء، وعلى رأسها الرعاية الصحية، حيث عمل على إبرام بروتوكولات تعاون مع وزارة الصحة وهيئة التأمين الصحي، أسفرت عن توفير آلاف بطاقات العلاج سنويًا، إلى جانب تحمل النقابة نفقات العلاج في بعض الحالات، في خطوة هدفت إلى تخفيف الأعباء عن الموسيقيين.
كما امتدت جهوده إلى الجانب الاجتماعي، من خلال تنظيم فعاليات ومهرجانات داخل مجمع النقابات، والعمل على توفير أنشطة ترفيهية ورحلات بأسعار مناسبة، بما يعزز الروابط بين الأعضاء ويوفر لهم متنفسًا خارج ضغوط العمل. ولم يغفل كذلك أهمية التنسيق بين النقابات الفنية الثلاث، حيث دعم التعاون المشترك لمواجهة التحديات التي طرأت على الوسط الفني، خاصة ما يتعلق بالرسوم والإجراءات التي أثرت على العاملين في المجال.
رحل حسن أبو السعود في 17 أبريل 2007، بعد صراع مع المرض، لكن رحيله لم يكن نهاية الحكاية، فمع كل عودة لأغنية، وكل استدعاء لمشهد، يتجدد حضوره، وتثبت تجربته أن الفن الحقيقي لا يموت.