بعد ستة أسابيع من بدء الحرب مع إيران، أسند الرئيس دونالد ترامب إلى البحرية الأمريكية أصعب مهامها في هذا الصراع، والمتمثلة في حصار الموانئ الإيرانية وتطهير مضيق هرمز الاستراتيجي من أي ألغام زرعتها طهران خلال الأربعين يومًا التي دارت فيها رحى الحرب بينهما، وفقًا لـ شبكة سي إن إن الأمريكية.
ومع بدء الحصار، اليوم الاثنين، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن قرار الحصار سيُطبق على جميع الموانئ الإيرانية، داخل وخارج المضيق الحيوي لتجارة الطاقة العالمية، الذي تسيطر عليه إيران منذ اندلاع الحرب.
وأشار ترامب إلى أن هذه المهمة ستكون ذات نطاق أوسع، وربما تمتد خارج منطقة الخليج العربي، قائلًا: "لقد أصدرت تعليماتي أيضًا لقواتنا البحرية بالبحث عن كل سفينة في المياه الدولية دفعت رسومًا لإيران واعتراضها. لن يحظى أي شخص يدفع رسومًا غير قانونية بالمرور الآمن في أعالي البحار"، في إشارة إلى خطوة طهران بفرض رسوم على السفن مقابل المرور الآمن.
خنق إيران
وتهدف المهمة الأمريكية إلى زيادة الضغط على إيران إلى أقصى حد، من خلال خنق تدفقاتها النقدية من تجارة الطاقة. إلا أن معالجة أزمة الطاقة العالمية في هذه الحرب تتطلب مهمة أخرى معقدة، تتمثل في إزالة أي ألغام بحرية زرعتها إيران.
وبالفعل، بدأت البحرية الأمريكية عمليات إزالة الألغام في المضيق، بحسب تصريحات ترامب، كما أكدت القيادة المركزية الأمريكية ذلك، مشيرة إلى أن "مدمرتين أمريكيتين مزودتين بصواريخ موجهة دخلتا المضيق لبدء تهيئة الظروف اللازمة لإزالة الألغام".
وتمثل هذه المهام تحولًا في مسار الصراع من الجو إلى البحر. وقبل قرار الحصار، كان الصراع يُدار في الغالب جوًا، على الرغم من أن غواصة أمريكية أغرقت فرقاطة تابعة للبحرية الإيرانية قبالة سواحل سريلانكا في الأيام الأولى للحرب. كما شاركت طائرات تابعة للبحرية في عمليات الإقلاع من حاملات الطائرات، إلا أن هذه المهام لا تُعد معقدة أو محفوفة بالمخاطر بالقدر الذي تتطلبه العمليات البحرية الحالية.
ما هو الحصار؟
ويعد الحصار أداة حرب اقتصادية بقدر ما هو أداة حرب عسكرية، ويُعرّف دليل نيوبورت لقانون البحرية الحصار بأنه "الاستيلاء على البضائع المهربة، والاستيلاء على ممتلكات العدو الموجودة في البحر أو تدميرها".
وتحرم هذه الأساليب العدو من فرصة تحقيق إيرادات اقتصادية من صادراته ومن فوائد الواردات التي تدعم مجهوده الحربي.
لكي يُعدّ فرض الحصار قانونيًا، يجب الالتزام بعدة قواعد، أبرزها الإعلان عنه رسميًا وإخطار الجهات المعنية، بما يشمل توجيه تحذيرات مسبقة إلى السفن التي قد تتأثر به، كما ينبغي أن يكون الحصار فعّالًا، أي أن تمتلك الولايات المتحدة القدرات البحرية والجوية الكافية لتنفيذه. ويُشترط أيضًا الحفاظ على الحياد، بحيث لا يستهدف سفن دول أخرى، ولا يجوز استهداف المدنيين بشكل مباشر، وإن كان قد يترتب على الحصار آثار غير مباشرة تمسهم.
وفي الأخير يجب ألا يمنع ذلك الحصار الوصول إلى الموانئ المحايدة، ولا يجوز له أن يغلق مضيقًا مثل مضيق هرمز، الذي قال ترامب إنه مفتوح للشحن الدولي غير المرتبط بإيران.
هل تنجح أمريكا؟
بدوره قال المحلل كارل شوستر، وهو قبطان سابق في البحرية الأمريكية، إن إغلاق موانئ إيران، التي تقع جميعها تقريبًا داخل مضيق هرمز، أمام ناقلات النفط والسفن التجارية الأخرى سيكون صعبًا من الناحية الإجرائية، لكنه عملي إذا كانت الولايات المتحدة تتمتع بالتفوق البحري.
يقول المحللون إن إيران لا تزال قادرة على الرد بالألغام، وعدد غير معروف من الزوارق الصغيرة التي يمكنها حمل الصواريخ، والطائرات المسيّرة السطحية، والطائرات المسيّرة الجوية، وصواريخ كروز الأرضية، فضلًا عن صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف يمكنها استهداف المروحيات والطائرات المقاتلة التي تحمي السفن في الماء.
في الوقت نفسه وصف يو جيهون، وهو زميل باحث في المعهد الكوري لتحليلات الدفاع وضابط غواصات كوري جنوبي سابق، الحصار بأنه عالي الخطورة بسبب تلك الخيارات الإيرانية للرد.
وقال يو: "إذا اعتبرت إيران ذلك انتهاكًا لسيادتهً أو توسعًا فعليًا للحرب البحرية، فإن احتمال نشوب صراع عسكري محلي قد يزداد".
الأسلحة اللازمة
قال جيمس ستافريديس، وهو أميرال متقاعد في البحرية الأمريكية، إنه يعتقد أن البنتاجون سيحتاج إلى مجموعتين ضاربتين لحاملات الطائرات ونحو 12 سفينة سطحية خارج الخليج لتسيير دوريات في مضيق هرمز عند مدخله.
متابعًا: "داخل الخليج ستكون هناك حاجة إلى 6 مدمرات أمريكية على الأقل، إلى جانب المساعدة من القوات البحرية للشركاء الأمريكيين مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية".
وتدرب البحرية الأمريكية فرق اقتحام تتألف من نحو 10 إلى 14 شخصًا للسيطرة على السفن التجارية، ويضم كل فريق ضابط سطح السفينة الذي يتولى فعليًا دور قبطان السفينة التجارية بعد عملية الاستيلاء، ويقوم "بتوجيهها إلى مرسى أو ميناء للاحتجاز".
التكتيك المستخدم
ومن بين 6 مدمرات أمريكية داخل المضيق، سيتم استخدام اثنتين للقيام بعمليات الصعود إلى السفن، بينما ستوجد المدمرات الأربع الأخرى في مكان قريب للتعامل مع أي محاولات إيرانية لوقف هذه العمليات.
وقال المحلل كارل شوستر، وهو قبطان سابق في البحرية الأمريكية، إن المدمرتين قد تستوليان على ست سفن يوميًا.
قبل الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، كان نحو 130 سفينة تمر عبر المضيق يوميًا، الذي يمر عبره ما يقرب من خُمس النفط والغاز في العالم قبل الحرب.
ما هو "قانون الجائزة"؟
وقالت جينيفر باركر، وهي زميلة غير مقيمة في معهد لوي وضابطة سابقة في البحرية الملكية الأسترالية، إن نهج المصادرة هو الخيار الأرجح الذي ستستخدمه الولايات المتحدة في محاولة منع الشحن الإيراني.
وتابعت "باركر" أن العملية تندرج تحت "قانون الجوائز" الدولي، بحسب دليل نيوبورت، يمكن للأطراف المتحاربة في البحر الاستيلاء على سفن وبضائع العدو التجارية خارج المياه المحايدة، كما يمكنها إخضاع السفن التجارية "المحايدة" للتفتيش والتحويل والمصادرة "إذا كانت تحمل بضائع مهربة".
وينص قانون الغنائم أيضًا على أنه يمكن مهاجمة السفن التجارية المحايدة في أي مكان باعتبارها أهدافًا عسكرية إذا كانت "تقدم مساهمة فعّالة في العمل العسكري للعدو أو في القتال"، ما من شأنه أن يمنع إيران من استخدام مزاياها المتمثلة في الزوارق الصغيرة والأسلحة قصيرة المدى على الفور.
إزالة الألغام
بعد وقت قصير من بدء الحرب، قال شخصان مطلعان على الاستخبارات الأمريكية، لشبكة CNN، إن إيران بدأت في زرع عدد قليل من الألغام في مضيق هرمز.
بينما قال المحلل كارل شوستر، إن الأرجح هو أن المدمرات عبرت المضيق لإثبات أن مثل هذه الملاحة ممكنة وأنه لا توجد ألغام هناك، مضيفًا أن العمل الفعلي لإزالة الألغام من المرجّح أن يتم بواسطة طائرات بدون طيار تحت الماء، وسفن قتالية ساحلية مجهزة بحزمة إجراءات مضادة للألغام، وطائرات هليكوبتر.
واختتم بأن الألغام تأتي بأشكال مختلفة كثيرة، وقد لا تكون بعض الألغام قد تم اكتشافها أو تفجيرها بواسطة السفن الحربية الأمريكية.