شهدت العاصمة اللبنانية بيروت واحدة من أكثر اللحظات دموية منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990، بعدما نفّذت إسرائيل سلسلة غارات جوية مكثفة استهدفت أكثر من 100 موقع، خلال عشر دقائق فقط، ما أسفر عن استشهاد مئات المدنيين وإصابة الآلاف، وفق حصيلة أولية صادرة عن الدفاع المدني اللبناني.
وتحوّلت أحياء سكنية مكتظة، بينها منطقة بربور في قلب بيروت، إلى ساحات دمار خلال دقائق معدودة. وقال شهود عيان إن القصف جاء دون إنذار مسبق، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا بين المدنيين، بينهم أطفال وكبار سن، وفقًا لصحيفة "ذا جارديان" البريطانية.
ووصف عمر راخا، أحد سكان المنطقة، لحظات الرعب التي عاشها، إذ لم يدرك ما حدث إلا بعد أن وجد نفسه مُلقى على الأرض مصابًا، ليكتشف أن المبنى المجاور له قد دُمّر بالكامل. وقال إنه ركض وسط النيران بحثًا عن شقيقته في مشهد كارثي.
وفي موقع آخر، حاول الشاب شادن فقيه إنقاذ صديقه الذي كان داخل أحد المباني المستهدفة، لكنه لم يتمكن من الوصول إليه بسبب حجم الدمار الهائل، فاكتفى بمساعدة الجرحى، بينهم سيدة مسنة حملها بين ذراعيه بعيدًا عن موقع القصف. وذكر أحد الناجين: "هذا أسوأ يوم منذ بداية الحرب، كنا نريد فقط أن نعيش بسلام".
وفي المستشفيات، كانت الصورة أكثر قتامة. وقال الدكتور غسان أبو ستة، العامل في المركز الطبي بالجامعة الأمريكية في بيروت، إن "أعداد المصابين تدفقت بشكل غير مسبوق وفي وقت قصير جدًا، ما شكّل ضغطًا هائلًا على الطواقم الطبية".
وأوضح الدكتور فراس أبيض أن المستشفى استقبل عشرات المصابين دفعة واحدة، العديد منهم في حالات حرجة، مع انتشار إصابات السحق والبتر، مؤكدًا وفاة عدد من كبار السن متأثرين بجراحهم.
واستمرت عمليات الإنقاذ لساعات طويلة، إذ عملت فرق الدفاع المدني على انتشال الضحايا من تحت الأنقاض، وسط مشاهد مؤلمة لعائلات تبحث عن أحبائها. وأفاد أحد عمال الإغاثة بأنهم لم يعثروا في بعض المواقع إلا على أشلاء بشرية، في ظل صعوبة تحديد هويات الضحايا.
ومع حلول الليل، خيّم الحزن على بيروت، إذ انتشرت صور الضحايا والمفقودين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في محاولة يائسة للعثور على ناجين. وبينما تتواصل أعمال البحث، يزداد القلق من اتساع رقعة الصراع، في ظل غياب مؤشرات واضحة على التهدئة.
وتشير التقديرات إلى أنه تجاوزت حصيلة الشهداء 250 شخصًا، مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات البحث. كما تجاوز عدد الجرحى 1100 مصاب، في واحدة من أعنف الضربات التي يشهدها لبنان في تاريخه الحديث، متخطية من حيث عدد الضحايا انفجار مرفأ بيروت عام 2020.
في المقابل، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، أنه استهدف مراكز قيادة وسيطرة تابعة لـحزب الله ضمن عملية عسكرية أطلق عليها اسم "الظلام الأبدي". إلا أن مسؤولين لبنانيين وسكانًا محليين نفوا هذه الرواية، مؤكدين أن الغارات استهدفت أحياء سكنية مكتظة وخلفت غالبية الضحايا من المدنيين.
من جهته؛ اتهم رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، إسرائيل بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي عبر استهداف مناطق مدنية دون تمييز، داعيًا المجتمع الدولي إلى التدخل لوقف التصعيد.
وتأتي هذه التطورات في سياق تصعيد مستمر منذ اندلاع المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، مارس الماضي، التي أدت حتى الآن إلى سقوط نحو 1800 شهيد وآلاف الجرحى، فضلًا عن نزوح أكثر من مليون شخص.