الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

كيف ينعكس اعتقال مادورو على مستقبل الحكم في فنزويلا؟

  • مشاركة :
post-title
قوات دلتا الأمريكية تعتقل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو

القاهرة الإخبارية - ضياء نوح

أثارت العملية العسكرية الأمريكية الخاطفة على فنزويلا فجر الثالث من يناير 2026 التكهنات بشأن مستقبل الحكم في البلاد؛ حيث يسود الارتباك في أوساط المؤسسات القضائية والسياسية في فنزويلا عقب اعتقال مادورو واعتبار الأخير الرئيس الشرعي الوحيد مع تكليف نائبته ديلسي رودريجيز القيام بمهامه وأدائها اليمين الدستوري في 5 يناير الجاري.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي تأثير اعتقال مادورو على الترتيبات السياسية اللاحقة في البلاد وقراءة أبعاد الانخراط الأمريكي في تحديد مستقبل فنزويلا.

مشهد معقد

يظهر تمسك الولايات المتحدة بالحفاظ على الثروات الطبيعية وعلى رأسها النفط في فنزويلا لاستغلال شركاتها ومقايضة إعادة الإعمار بتقديم تعويضات للجانب الأمريكي على إجراءات التأميم ومصادرة الحقوق ما دفع شركتي كونيكو فيليبس وإكسون موبيل للانسحاب.

ومع تصريحات الإدارة الأمريكية المتضاربة حول ترتيبات ما بعد مادورو في فنزويلا وتفاعل الحكام الجدد والمعارضة في كاراكاس والخارج مع مطالب إدارة ترامب، يتوقف شكل مستقبل النظام السياسي على العوامل التالية:

(*) حجم الانخراط الأمريكي: يظهر المشهد الدولي إقرارًا ضمنيًا بخروج الرئيس نيكولاس مادورو من المشهد خاصة في الأوساط الغربية التي تعتبره رئيسًا غير شرعي، وأن منافسه المعارض إدموندو جونزاليس هو الفائز بالانتخابات الرئاسية التي جرت في مايو 2024، بينما يثير التدخل الأمريكي انقسامًا حول طريقة الإطاحة برئيس دولة ذات سيادة وخطورة تكرار مثل هذه الهجمات في أجزاء أخرى من العالم خارج نفوذ الولايات المتحدة التقليدي في نصف الكرة الغربي.

وتعكس تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأركان إدارته وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو أن واشنطن نفّذت عملية عسكرية محدودة بهدف الإطاحة بمادورو لأهداف اقتصادية واستراتيجية ولم تخطط لتغيير النظام بصورة كاملة، بما قد يدفع لمواجهة سيناريوهات متعددة تشمل الفوضى وانخراطًا عسكريًا أمريكيًا أعمق في بلد يعج بانتشار الأسلحة في صورة ميليشيات مسلحة بملابس مدنية تُعرف بـ"كولكتيفوس Colectivos"، وتقدر بنحو 220 ألف شخص، إلى جانب العناصر الكوبية التي مثّلت الحراسة الشخصية للرئيس مادورو، فضلًا عن وجودها داخل الجيش الفنزويلي الذي يقدّر تعداده بنحو 123 ألف جندي، من بينهم 63 ألف جندي بالقوات البرية و23 ألفًا من قوات الحرس الوطني و25.5 ألف بالقوات البحرية و11.5 ألف بالقوات الجوية، حسب تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.

وخلافًا لدورها الأمني، يمثّل الغموض وعدم وضوح سياسة الولايات المتحدة في فنزويلا ما بعد مادورو عاملًا يثير القلق في صفوف الشركات الأمريكية المدعوة لإنفاق مليارات الدولارات في بلد على حافة الانفجار، بين الغرق في فوضى السلاح التي تهدد استقرار المجتمع حال تداعي النظام في غياب عملية منظمة لنقل السلطة، أو مقاومة محتملة للوجود الأمريكي ما يستدعي تدخل قوة عسكرية أمريكية كبيرة قد تتعرض لاستنزاف طويل دون استعادة الاستقرار والنظام في البلاد، وهو ما قد ينسف إنجاز الرئيس ترامب في الإطاحة بالرئيس مادورو دون تكلفة خلافًا لحملات الولايات المتحدة في بلدان أخرى مثل العراق وأفغانستان.

(*) التداعيات على الترتيبات الداخلية: تتمسك أركان الدولة في فنزويلا بعودة نيكولاس مادورو واعتباره الرئيس الشرعي والوحيد للبلاد، وهو ما يعكس التحفظ على إجراء تحولات كبرى تؤثر على استقرار النظام وضمان الأمن في البلاد، خاصة مع بقاء مؤسسات وازنة على ولائها للرئيس واستخدامها خطابًا تصعيديًا تجاه واشنطن، وموازنة الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريجيز بين التمسك بقيادة مادورو ومرونتها في التعامل مع الولايات المتحدة مدعومة بموقعها داخل أركان النظام بما يمكّنها من إعادة ترتيب البيت الداخلي، ويمنع الاصطدام بالمدة الدستورية اللازمة لإجراء الانتخابات في غضون 30 يومًا مع وجود عائق دائم يمنع الرئيس من ممارسة صلاحياته.

وبينما تحتفظ الرئيسة المؤقتة بموقع مؤثر في قيادة الحزب الاشتراكي الموحد الحاكم في البلاد، مدعومة بشقيقها خورخي رودريجيز رئيس الجمعية الوطنية (البرلمان) ومحتفظًة كذلك بإرثها كوزيرة للنفط ونائبة للرئيس، عملت منذ 2019 على الاعتماد على موارد البلاد من المعادن لتقليص الاعتماد على النفط الذي لا يزال يواجه عقوبات أمريكية خانقة، يحتفظ وزيرا الداخلية ديوسدادو كابيلو والدفاع الجنرال فلاديمير لوبيز بنفوذ قوي في البلدان باعتبارهما عسكريين تخرجا في القوات المسلحة ويحظيان بنفوذ واسع داخل مؤسسات الحكم، التي تسعى لإعادة ترتيب أوراقها مع التلويح بخيار الفوضى حال انهيار النظام، وهو ما يدفعها لإبداء صرامة أكبر تجاه الداخل لمنع استغلال المعارضة للإطاحة بمادورو.

وعلى الرغم من التماسك الرمزي لمؤسسات الدولة في فنزويلا فإن ثمة مؤشرات على ضعف التماسك البنيوي وحاجة الرئيس مادورو لكسب ولاء القوى الأمنية والعسكرية، ففي دولة لا يتجاوز عدد قواتها المسلحة 123 ألفًا بلغ عدد القادة العسكريين الذين يحملون رتبتي جنرال أو أدميرال في 2019 نحو 2000، حسب تقديرات قائد القيادة الجنوبية الأمريكية آنذاك كريج فولر مقارنة بنحو 850 فقط في الولايات المتحدة التي يفوق عدد جيشها 10 أضعاف القوات المسلحة الفنزويلية، وبحسب "رويترز" يسيطر بعض الجنرالات النشطين والمتقاعدين على توزيع الطعام والمواد والخام وشركة النفط الوطنية "بي دي في إس آيه PDVSA"، بينما يحتل آخرون مناصب في مجالس إدارات عدد من الشركات الخاصة، كما تتهم واشنطن جنرالات الجيش بالتربح مع تهريب المخدرات والأنشطة غير القانونية.

خيارات محدودة

على طرفي نقيض تقف مصالح الولايات المتحدة وحلفاء مادورو في فنزويلا، حيث توازن ديلسي رودريجيز بين الحفاظ على النظام بخلفيته الأيديولوجية المناهضة للولايات المتحدة ومرونته البراجماتية لتأمين شبكة حلفائه وعلاقاته الداخلية دون الاصطدام بالولايات المتحدة، بينما تلوح بالفوضى لتقليص ضغوط الولايات المتحدة حال اللجوء لخيارات بديلة. ويمكن قراءة مستقبل الحكم في فنزويلا من خلال أي من السيناريوهين التاليين:

(&) السيناريو الأول: بقاء الوضع الراهن: ويُرجح في هذا السيناريو أن تستمر الرئيسة المؤقتة في أداء مهامها والموازنة بين أجنحة الحزب الحاكم لحين ترتيب المشهد الداخلي وإرجاء الدعوة للانتخابات حتى انتهاء الفترة الرئاسية لمادورو، على أن تمتلك الولايات المتحدة دورًا رئيسيًا في إنتاج وتصدير النفط مقابل مزايا تفضيلية لواشنطن وإعفاءات للشركات الأمريكية.

ويعزز هذا السيناريو من مكاسب واشنطن وكاراكاس على السواء، حيث يمنح الولايات المتحدة سيطرة شبه مطلقة على النفط الفنزويلي ومعها سياستها وتحالفاتها الخارجية، بالتوازي مع تخفيض تكلفة التدخل العسكري البشرية والمالية في بلد أنهكته العقوبات الاقتصادية الأمريكية والغربية.

كما يدعم موقف النظام الفنزويلي في الحفاظ على بقائه وضمان استقرار الجبهة من أجل التفرغ لمواجهة المعارضة، بينما سيفقد النظام تدريجيًا شرعيته الأيديولوجية.

ويرجّح هذا السيناريو دوافع الولايات المتحدة في عهد ترامب، فالرئيس الأمريكي مع عدائه لليسار لا يبدو متحمسًا لتغيير النظام بدافع أيديولوجي وإنما لتعزيز مصالح الولايات المتحدة وإنفاذ عقيدة "دونرو" التي تشير إلى بصمة الرئيس دونالد ترامب في إعادة صياغة "عقيدة مونرو" التي تسعى لضمان الهيمنة الأمريكية على نصف الكرة الغربي وتصفيته من نفوذ روسيا والصين وإيران.

(&) السيناريو الثاني: إعادة ترتيب المشهد: ويشمل أن تضطلع الولايات المتحدة بدور أكبر في بناء التوازنات في النظام السياسي الفنزويلي في مواجهة معارضة قوية من المؤسسات الأمنية في كاراكاس بتفاهم مع السلطة المؤقتة أو دعم المعارضة.

وفي هذا السيناريو قد تضطر الولايات المتحدة للعب دور أمني وعسكري في داخل فنزويلا من خلال عمليات عسكرية محدودة تستهدف قيادات المؤسسات الصلبة للنظام وعلى رأسهم وزير الداخلية المعروف بنفوذه الأمني والأيديولوجي الواسع باعتباره رفيق سلاح للرئيس الراحل هوجو تشافيز ووزير الدفاع المعروف بعلاقاته مع روسيا، أو التوجه لخيار أكثر تكلفة من خلال تنصيب سلطة جديدة وإعادة بناء الدولة مع مكونات المعارضة الموالية للغرب وهو ما يدفع لاحتلال عسكري أمريكي دائم وإشراف مباشر على أصول الدولة من النفط والمعادن الاستراتيجية.

وإجمالًا؛ يرجّح أن يستمر الوضع الراهن في فنزويلا مع بحث الرئيسة ديلسي رودريجيز عن تثبيت استقرار النظام وتعزيز شرعيتها داخليًا وخارجيًا مدعومة بالمؤسسات الأمنية والسياسية في البلاد مع تحقيق انفراجة اقتصادية تدريجيًا بدعم من استثمارات الولايات المتحدة في قطاع الطاقة.

وتمثل المعارضة الفنزويلية ورقة ضغط متبادلة في إعادة بناء العلاقة بين واشنطن وكاراكاس؛ فمن جهة تدعم ضغوط إدارة ترامب على حكومة رودريجيز كبديل يمكن التعاون معه ،ما يدفع السلطات الجديدة لإبداء مرونة إضافية في المفاوضات حول الوصول للنفط ومصادر الطاقة والمعادن، كما قد تستخدمها كاراكاس في التلويح بورقة الفوضى وتعزيز تكلفة أي تدخل أمريكي إضافي لتغيير النظام بالقوة.