مع دخول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عامه الأخير في السلطة، تجتاح موجة استقالات واسعة صفوف مستشاريه ومعاونيه الرئيسيين، في مؤشر واضح على تفكك فريقه وتعمّق أجواء "نهاية العهد" داخل قصر الإليزيه، مع تبقي عام واحد فقط على الانتخابات الرئاسية التي ستختار خليفته.
نزيف في القيادات
كشفت صحيفة "بوليتيكو" أن أربعة مستشارين كبار غادروا فريق ماكرون خلال الشهرين الماضيين فقط، من بينهم اثنان من نواب رئيس الأركان المسؤولين عن تنسيق المجالات السياسية داخل قصر الإليزيه، ما يثير مخاوف جدية بشأن التماسك في القصر الرئاسي.
وأوضحت الصحيفة أن السبب الرئيسي وراء هذا النزوح يعود إلى عدم أهلية ماكرون للترشح لولاية ثالثة متتالية، إلى جانب عجزه عن تمرير أجندته التشريعية عبر برلمان مشلول، ما دفع الموظفين للتفكير في تأمين أدوارهم المستقبلية.
وقال مساعد وزاري، طلب عدم الكشف عن هويته، لبوليتيكو: "قبل عام من نهاية ولايته، يفكر الناس أولاً وقبل كل شيء في مساراتهم المهنية".
فيما أكد مساعد وزاري سابق للصحيفة أن "النواة الصلبة من الموالين حول ماكرون تتقلص أكثر فأكثر"، مضيفًا: "الجميع يعلم أن ماكرون هو الوحيد الذي يتخذ جميع القرارات، لكن هذه الاستقالات الرئيسية تعني أنهم سيضطرون للتركيز على إحكام براغي آلية الإليزيه لتجنب الأخطاء".
والأخطر من ذلك، بحسب بوليتيكو، أن إيمانويل مولان، رئيس أركان ماكرون نفسه، يدرس مغادرة منصبه للتحضير لترشحه للوظيفة الشاغرة في قيادة بنك فرنسا، وفقًا لمسؤولين مقربين من الرئيس.
ونظرًا لنهج ماكرون شديد المركزية في السلطة، يُعتبر منصب رئيس الأركان أحد أكثر المناصب تأثيرًا في الحكومة بأكملها، ما يجعل رحيله ضربة قاصمة محتملة، إلا أن حليفًا للرئيس الفرنسي قال لـ"بوليتيكو" إن الحصول على هذا المنصب سيكون صعبًا على مولان لأنه يحتاج لموافقة البرلمان، حيث يفتقر ماكرون للأغلبية، مضيفًا: "يريدون حجب الترشيح فقط لإغضاب ماكرون".
مغادرات بارزة
من بين المغادرين البارزين إيميلي بييت وكونستانس بنسوسان، نائبتا رئيس الأركان مولان، حيث انتقلت الأولى لرئاسة وكالة شبكة الكهرباء RTE، بينما انتقلت الثانية إلى وكالة المزايا CNAF الفرنسية، بحسب بوليتيكو.
كما غادرت آن كلير ليجندر، كبيرة مستشاري ماكرون لشؤون الشرق الأوسط، في فبراير الماضي، قبيل بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران مباشرة، لتتولى رئاسة معهد العالم العربي خلفًا لجاك لانج الذي استقال بسبب علاقاته بجيفري إبستين.
وأشادت الدوائر الداخلية بليجندر لقيادتها الجهود الدبلوماسية وراء دفع فرنسا للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وفق الصحيفة الأمريكية.
تحذيرات من تداعيات أجواء "الانتهاء"
بلغ الوضع حد الاعتراف الرسمي، إذ قال رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو في مقابلة مع صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية نهاية الأسبوع الماضي: "كلما اقتربنا من الانتخابات الرئاسية، سيكون هناك المزيد من أجواء الانتهاء، وهذا أمر طبيعي جدًا، وأنا أدرك ذلك".
من جانبه، حذّر جان بيير جوييت، الذي شغل منصب رئيس الأركان في عهد الرئيس السابق فرانسوا هولاند، من خطورة الوضع، قائلًا لبوليتيكو إن موجة استقالات كهذه "خطيرة ويمكن أن تغير العلاقات داخل الحكومة".
وأضاف "جوييت" أن موظفي قصر الإليزيه بحاجة ماسة إلى "دماء جديدة" - موظفين جدد موثوقين يتمتعون بـ"المهارات المناسبة" لمواجهة تحديات العام الأخير لماكرون في منصبه.
اللجوء للوجوه القديمة
أوضحت "بوليتيكو" أنه بدلًا من جذب مواهب جديدة، يبدو أن الرئيس الفرنسي يلجأ إلى الوجوه القديمة المألوفة، فوفقًا لمسؤول مقرب من ماكرون، قد يعود بيير أندريه إمبرت، نائب رئيس الأركان السابق، إلى قصر الإليزيه لتولي منصب رئيس الأركان، موضحًا للصحيفة الأمريكية أن إمبرت يتمتع بـ"ملف شخصي واسع النطاق" و"يعرف الرئيس جيدًا جدًا".
وأوضح مسؤول حكومي سابق نقلت عنه بوليتيكو أن جذب شخصيات مرموقة من الخارج وذوي الكفاءات العالية للانضمام لحكومة ماكرون في هذا التوقيت سيكون صعبًا للغاية نظراً لقصر المدة المتبقية، متوقعًا أن "يكتفوا بالترقيات الداخلية وكبار الموظفين المدنيين الذين يبحثون عن منصبهم التالي".
ومع تقلص الدائرة الداخلية للرئيس الفرنسي، من المتوقع أن يعطي المساعدون الأولوية لإدارة الأزمات على المبادرات الجريئة الجديدة في العام الأخير لماكرون.