في أعقاب الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إيران وإسرائيل خلال يونيو 2025، والتي شهدت استهداف البرنامج النووي الإيراني، برز تحول لافت في بنية السلطة داخل الجمهورية الإسلامية، حيث أصبح نفوذ الحرس الثوري الإيراني أكثر حسمًا في إدارة شؤون الدولة، متجاوزًا الأُطر المؤسسية التي لطالما استُخدِمَت لإضفاء طابع ديمقراطي شكلي على النظام.
هيمنة عسكرية متصاعدة
قبل اندلاع الحرب، كان الحرس الثوري يمارس تأثيره من خلف ستار المؤسسات الرسمية، إلا أن هذا التوازن تغير بشكل جذري مع تصاعد المواجهة الحالية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد باتت المؤسسة العسكرية تمسك بشكل مباشر بمفاصل القرار السياسي والأمني، في ظل تراجع ملحوظ لدور المؤسسات المدنية، بحسب صحيفة "إل باييس" الإسبانية.
ورغم توقعات بعض المحللين بانهيار سريع للنظام الإيراني؛ نتيجة الضربات المكثفة على البنية التحتية العسكرية، إلا أن هذه التقديرات بدت متسرعة. فبعد مرور أكثر من أربعة أسابيع على الحرب، لا تزال طهران قادرة على تهديد المصالح الأمريكية، والتأثير على أمن الملاحة في مضيق هرمز، فضلًا عن إحداث اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، رغم تآكل قدراتها العسكرية.
ترتيب مراكز القرار
ووفق الصحيفة، أظهرت التطورات الأخيرة قدرة الحرس الثوري على ملء الفراغات القيادية بسرعة، سواء عبر تعيين قادة جدد بدلًا من الذين قُتلوا في الهجمات، أو عبر التوسع في شغل مناصب كانت حكرًا على المدنيين. ويعكس هذا التوجه مساعي واضحة لإعادة تشكيل هيكل الحكم، بما يعزز قبضته داخل النظام.
وفي السياق، جاء صعود مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى، عقب وفاة والده علي خامنئي، ليؤكد ما وصفه معارضون سابقون بـ "انقلاب الحرس الثوري"، في إشارة إلى انتقال مركز الثقل السياسي بشكل شبه كامل إلى المؤسسة العسكرية والأمنية.
شبكات نفوذ متنافسة
وتشير الصحيفة الإسبانية إلى توزع مراكز القوة داخل النظام الإيراني حاليًا بين شبكات متعددة، أبرزها ما يُعرف بـ "دائرة حبيب" بقيادة رجل الدين حسين طائب، و"دائرة منصوريون" التي تضم شخصيات عسكرية بارزة مثل محسن رضائي. وعززت هذه الشبكات مواقعها عبر سلسلة من التعيينات في مناصب حساسة، من بينها رئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي.
في المقابل، تراجع دور الرئيس مسعود بزشكيان إلى حد كبير، حيث باتت صلاحياته تقتصر على إضفاء الطابع الرسمي على قرارات تتخذها مراكز قوى أخرى، خاصة تلك المرتبطة بالحرس الثوري.
الغموض يحيط بالنظام
وفي خضم هذه التحولات، يبرز رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف كأحد أبرز الفاعلين، مستفيدًا من علاقاته الواسعة داخل المؤسستين العسكرية والأمنية. ومع ذلك، لا يزال المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، في ظل وجود شخصيات نافذة قد تعارض صعوده.
ويرى خبراء للصحيفة الإسبانية، أن إيران لم تصل بعد إلى مرحلة وجود "قائد مركزي" يهيمن بشكل كامل على النظام، رغم تصاعد نفوذ بعض الشخصيات.
لا يرجع هذا التحول في ميزان القوى إلى الحرب الأخيرة فقط، بل يعود إلى إستراتيجية طويلة الأمد اعتمدها النظام الإيراني، تقوم على توزيع مراكز القوة وتعزيز دور الحرس الثوري في مختلف القطاعات، بما في ذلك الاقتصاد.
وتسارع هذا المسار منذ الحرب الإيرانية العراقية، مرورًا بعمليات الخصخصة المثيرة للجدل، وصولًا إلى قمع احتجاجات 2009، ثم صعود إبراهيم رئيسي إلى السلطة بدعم من دوائر مقربة من الحرس الثوري.
تراجع السلطة المدنية
في المقابل، شهدت مؤسسة الرئاسة الإيرانية تراجعًا تدريجيًا في نفوذها، خاصة فيما يتعلق بملفات الأمن والاستخبارات، التي باتت خارج نطاق سيطرة الحكومة. وتشير تقديرات أكاديمية إلى أن القرارات العسكرية في الحرب الحالية تُتَّخذ بشكل أساسي داخل الدوائر العسكرية، مع ضعف التنسيق مع السلطة التنفيذية.
كما يشوب الغموض حول دور المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، حيث تتباين التقديرات بشأن مدى استقلاليته، وما إذا كان يمارس سلطة فعلية، أم يعمل ضمن منظومة يهيمن عليها الحرس الثوري.