رغم أن طائرات أوكرانيا المُسيّرة تُجمّع في الغالب من قطع غيار مستوردة، تشمل المراوح والمحركات والكاميرات ورقائق الكمبيوتر، حيث تأتي معظم هذه المكونات من الصين، وتُنتج شركة واحدة أكثر من 80% من الطائرات المُسيّرة الصغيرة في العالم، إلا أن رخص ثمنها، خاصةً عند مقارنتها بأنظمة الأسلحة المعقدة التي تُنتجها الشركات الأمريكية، هو ما يجعلها مدمرة للغاية.
في الحرب الأوكرانية، لم تعد الدبابات تُعتبر مركبات تحمي وتقتل الأعداء، بل أصبحت فريسة بطيئة الحركة للمُسيّرات التي تملأ السماء، وببضع مئات من الدولارات فقط، تستطيع المُسيّرات إلحاق أضرار جسيمة بمركبة عسكرية تُقدَّر قيمتها بملايين الدولارات. "لقد فعلت، في الواقع، بالدبابات والمدافع ما فعلته البنادق القديمة بالفرسان"، كما تشير مجلة "ذا أتلانتيك".
وبعد أوكرانيا، أظهرت الحرب الأمريكية مع إيران، التي دخلت أسبوعها الرابع، مجددًا قوة الطائرات المُسيّرة الرخيصة، التي أنتجتها طهران وخزّنتها بكميات هائلة.
هذا الشهر، شنت آلاف الطائرات المُسيّرة من طراز "شاهد" هجومًا عنيفًا على الخليج العربي، مستهدفةً القواعد الأمريكية والبنية التحتية للطاقة، مفاقمةً بذلك أسوأ أزمة في أسعار النفط في التاريخ الحديث.
في الوقت نفسه، استنفدت الولايات المتحدة مخزونها من صواريخ الدفاع الجوي باهظة الثمن في محاولة لإسقاط هذه الطائرات، ما أجبر حكومات الشرق الأوسط على الإسراع في طلب بدائل أرخص، مثل المسيرات الاعتراضية المصنعة في أوكرانيا.
أسلحة المستقبل
الآن، تُنتج أوكرانيا مُسيّرات أكثر من أي دولة أخرى في العالم، وتتسابق الدول الغنية في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط لشرائها. ومع بداية هذا العام، أنشأ الأوكرانيون ما يسمونه "منطقة قتل" على الجبهة، وهي منطقة عازلة تمتد على مساحة تتراوح بين 20 و30 ميلًا، حيث تستطيع المُسيّرات رصد وتدمير أي شيء يتحرك تقريبًا.
وفي هجماتهم البرية عبر هذه المنطقة، يُفضّل الروس الآن التقدم سيرًا على الأقدام، مستخدمين أحيانًا الدراجات النارية أو الدراجات البخارية أو حتى الخيول، وكلها وسائل لديها فرصة أفضل من الدبابة في الإفلات من رصد الطائرات المُسيّرة الأوكرانية.
مع ذلك، تستمر مشتريات الدبابات والمركبات المدرعة الجديدة في الزيادة، وجاء معظم هذا النمو بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وبدئه مطالبة أوروبا بزيادة إنفاقها الدفاعي.
لتحقيق هذا الهدف، يحتاج السياسيون والمخططون العسكريون الأوروبيون إلى تخصيص مليارات الدولارات على وجه السرعة، وأسهل طريقة لتحقيق ذلك هي طلب ما يُعرف بـ "الأنظمة المتطورة"، مثل الصواريخ الباليستية والسفن الحربية والطائرات المقاتلة، بينما معظم الطائرات المُسيّرة رخيصة للغاية، بحيث لا تُسهم في تحقيق أهداف الإنفاق الضخمة لحلف الناتو.
وعلى الرغم من أن قذائف المدفعية لا يمكن وصفها بأنها أسلحة المستقبل، فإن الحرب في أوكرانيا أظهرت أهمية الاحتفاظ بها. فقد أمضى الطرفان المتحاربان العامين الأولين من الحرب في مبارزة مدفعية غير متكافئة على طول الجبهة، التي امتدت لأكثر من 600 ميل.
كان لدى روسيا -آنذاك- ما يكفي من المدافع لوضع مدفع كل بضع مئات من الخطوات، بينما وضع الأوكرانيون مدفعًا كل بضعة أميال. وسرعان ما بدأت مخزوناتهم من الذخيرة التي تعود إلى الحقبة السوفيتية بالنفاد. ثم سرعان ما بدأت دول الناتو بإرسال مدافعها الخاصة لسد النقص في الترسانة الأوكرانية، لكنها لم تستطع مواكبة وتيرة الاستنزاف.
تطور ضخم
وفقًا لتقديرات حلف الناتو، تستطيع روسيا إنتاج أربعة أضعاف كمية الذخيرة الثقيلة التي ينتجها الحلف بأكمله مجتمعًا، كما أن صناعتها العسكرية تسير على الطريق الصحيح لاستبدال معظم الدبابات والمركبات المدرعة التي خسرتها في أوكرانيا. تنقل "ذا أتلانتيك" عن مسؤول أوكراني، قوله: "لن نتمكن أبدًا من إنتاج قذائف أو دبابات بقدر ما ينتج الروس. لذا، نحتاج إلى تغيير الإستراتيجية. إنتاج عدد أقل من الدبابات، وإنتاج المزيد من الطائرات المُسيّرة. يبدو هذا قرارًا بديهيًا".
حققت أوكرانيا التحول بسرعة ملحوظة. ففي عام 2023، أنتجت أقل من 150 ألف طائرة مُسيّرة. وفي العام التالي، تجاوز الإنتاج مليون طائرة، ليصل إلى 4 ملايين طائرة العام الماضي. ومن المتوقع أن يتضاعف الإنتاج مرة أخرى هذا العام.
قبل هذا التحول، كانت المدفعية تتسبب في أكثر من 80% من الخسائر في صفوف كلا الجانبين. أما الآن، فتمثل المُسيرّات نسبة أكبر من القتلى والجرحى. وقد تجاوز مداها مدى معظم قطع المدفعية، وأصبحت دقتها في التصويب أعلى بكثير من دقة القذائف التقليدية.
في المقابل، شهدت الآلة الحربية الروسية التحول نفسه، حيث أنشأت مصانع ضخمة لإنتاج نسخة من طائرات "شاهد" الإيرانية بكميات كبيرة، والتي تقصف المدن الأوكرانية بالمئات كل ليلة تقريبًا "لكن المُسيرّات الأوكرانية تواكب التطور، بل وتتفوق على نظيرتها الروسية، على الأقل من حيث فتكها وتعدد استخداماتها"، حسب المجلة الأمريكية.
بدا هذا خلال أحد تدريبات الناتو في مايو، عندما دُعيت مجموعة من مشغلي المُسيّرات الأوكرانيين للعب دور الفريق الأحمر (العدو)، متظاهرين بأنهم خصوم الناتو. شنّوا 30 غارة سريعة، ودمروا 17 مركبة مدرعة في غضون ساعات قليلة. وقال أحد المشاركين لصحيفة "وول ستريت جورنال": لقد دُمِّرَ كل شيء.