في الوقت الذي تواصل فيه واشنطن وتل أبيب إستراتيجية الضربات الموجهة ضد طهران، تكشف المؤشرات الميدانية عن تحول خطير في طبيعة الصراع، فبدلًا من الانهيار السريع المتوقع، يبدو النظام الإيراني مستعدًا لحرب استنزاف طويلة قد تعيد سيناريو الأزمة الأوكرانية بتداعياتها الاقتصادية الكارثية على العالم، وفقًا لتحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية.
إستراتيجية الصمود
في مشهد يعكس طبيعة المرحلة الحالية، التقت "فورين بوليسي" وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في طهران، بعد ساعات فقط من اغتيال رئيس الأمن الإيراني علي لاريجاني.
الوزير الإيراني لم يبدِ أي نية للتراجع، بل كشف عن عقيدة جديدة مفادها أن "الجمهورية الإسلامية تمتلك بنية قوية، ووجود الأفراد أو غيابهم لا يؤثر على استمراريتها".
توضح المجلة الأمريكية أن هذا التصريح يعكس واقعًا إستراتيجيًا مختلفًا عما تتوقعه واشنطن، إذ إن النظام الإيراني بُني على أساس التداخل المؤسسي والتكرار الوظيفي، مما يجعله قادرًا على استيعاب الضربات وإعادة تنظيم صفوفه بسرعة.
حتى أن عراقجي اعترف بأن "أي شخص قد يصبح هدفًا، لكننا جميعًا نقف صامدين"، في إشارة إلى أن استهداف القيادات لن يؤدي إلى شلل النظام بل قد يعزز تماسكه الداخلي.
حرب استنزاف مدمرة
تشير "فورين بوليسي" إلى أن واشنطن وتل أبيب تعملان وفق منطق مألوف، وهو أن الضربات المتواصلة وتصفية القيادات والضغط على البنية التحتية سيؤدي إلى انهيار سياسي سريع، إلا أن إيران ترسل إشارات واضحة بأنها تستعد لحرب طويلة الأمد، ما يخلق فجوة خطيرة في الحسابات الإستراتيجية بين الطرفين.
الخطر الحقيقي، حسب ما تشير المجلة، لا يكمن في التصعيد العسكري فحسب، بل في سوء تقدير طبيعة الصراع ومدته.
وهنا تبرز المقارنة بالحرب الأوكرانية، ففي فبراير 2022، أعلنت روسيا عملية عسكرية في أوكرانيا متوقعة أن تكون حربًا خاطفة، لكنها واجهت دولة قادرة على استيعاب الصدمة الأولية والتكيف مع الضغط المستمر، ما حوَّل الصراع إلى حرب استنزاف مدمرة أعادت تشكيل أسواق الطاقة العالمية، والسيناريو نفسه قد يتكرر الآن في الشرق الأوسط، لكن بتداعيات أوسع.
توسع رقعة الحرب
يكشف تحليل "فورين بوليسي" أن الصراع لم يَعُد محصورًا في الأراضي الإيرانية، بل امتد إلى منشآت الطاقة الحيوية، إذ إن استهداف حقل بارس الجنوبي الغازي، أحد أكبر حقول الغاز في العالم، والهجمات الإيرانية المضادة على منشآت الطاقة الخليجية، يشيران إلى تحول خطير في طبيعة المواجهة.
المشكلة الأكبر، وفق المجلة، تتمثل في مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس إنتاج النفط العالمي وكميات ضخمة من الغاز المُسال، إذ إن أي اضطراب محدود في هذا الممر الحيوي سيؤدي إلى ارتفاع فوري في الأسعار وتكاليف التأمين وإعادة تشكيل خطوط الشحن.
التداعيات ستمتد إلى إمدادات الطاقة الأوروبية، وستجعل المستوردين الآسيويين يتنافسون بشراسة على الغاز المُسال المتاح، بينما ستستعيد روسيا أهميتها الإستراتيجية كمورد بديل رغم العقوبات.
رفض إيراني للهدنة
في تصريح حاسم نقلته "فورين بوليسي"، أكد عراقجي أن "إيران لا تؤمن بوقف إطلاق النار، بل بإنهاء الحرب على جميع الجبهات"، ما يعني أن طهران لا تبحث عن هدنة مؤقتة، بل عن تسوية شاملة تمتد من العراق إلى لبنان واليمن، وهو شرط يجعل المخرج الدبلوماسي أكثر تعقيدًا ويعزز حتمية الصراع الطويل.
هذا الإطار، حسب المجلة، يحوِّل الوقت نفسه إلى جزء من الإستراتيجية الإيرانية، فكلما طالت الحرب، زادت الحاجة إلى تسوية إقليمية شاملة لإنهائها، مما يعني أن وقف النار الثنائي لم يَعُد كافيًا. الأمر يتطلب توافقًا بين جهات متعددة لكل منها مصالحها وقيودها المختلفة.
المخاطر المستقبلية
تحذر "فورين بوليسي" من أن الخطر الأكبر لا يكمن في اتساع الحرب، بل في تحوُّلها إلى مستنقع طويل الأمد، إذ إن الصراع الحالي يحمل كل مقومات حرب الاستنزاف، وهي أن طرفًا يراهن على الإكراه السريع وآخر يتبنى عقيدة الصمود، وساحة قتال تتجاوز الحدود الجغرافية، ونظامًا عالميًا ينقل تداعيات الصراع الاقتصادية إلى كل أنحاء المعمورة.
وتختتم الصحيفة بالسؤال المحوري، كما يطرحه الخبير في الشؤون الإيرانية محمد علي شعباني، لم يَعُد عمّن يملك القوة الضاربة الأكبر، بل عمّن يستطيع الصمود لفترة أطول، ومدى قدرة النظام العالمي على استيعاب الضغوط قبل أن يصبح هو نفسه جزءًا من الصراع.