الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

جورج سيدهم.. مدرسة الضحك التي أنارت أضواء الفن

  • مشاركة :
post-title
جورج سيدهم

القاهرة الإخبارية - إيمان بسطاوي

لم يكن اسم جورج سيدهم مجرد محطة عابرة في تاريخ الكوميديا المصرية، بل كان علامة فارقة صنعت لنفسها طريقًا مختلفًا، قائمًا على الصدق والبساطة والموهبة الفطرية، بملامح هادئة وأداء شديد الخصوصية، استطاع أن يقدّم نموذجًا فنيًا نادرًا لا يعتمد على الإسكتشات بقدر ما يرتكز على بناء الحالة الكوميدية من داخل الشخصية نفسها، ليصل إلى الجمهور دون ضجيج، ويصنع ضحكًا نقيًا يشبهه.

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن جورج سيدهم لا يشبه سواه؛ لم يسعَ إلى البطولة المطلقة، ولم يعتمد على المبالغة، بل اختار أن يكون حاضرًا بتفاصيل صغيرة لكنها مؤثرة، قادرة على البقاء في الذاكرة طويلًا. وبين المسرح والسينما والتلفزيون، نسج تجربة فنية متفردة، جعلته واحدًا من أعمدة الكوميديا الراقية في مصر.

يبقى دوره في مسرحية "المتزوجون" أحد أبرز الشواهد على عبقريته الكوميدية، حين قدّم شخصية "حنفي" التي تحوّلت إلى أيقونة شعبية، فمشهد أكل البيض الشهير لم يكن مجرد لقطة عابرة، بل حالة كوميدية متكاملة بلغ فيها الضحك ذروته، حتى إنه تعرّض لأزمة صحية نتيجة تناول البيض خلال العروض الأولى، ليُستبدل لاحقًا بالتفاح المقشّر، في واقعة تكشف حجم إخلاصه وتفانيه في تقديم الشخصية.

ولم تتوقف بصماته عند هذا الدور، بل تنوّعت شخصياته بين المدرس الناصح "عبد الرحيم" في "الشقة من حق الزوجة"، و"سعد مرزوق" في "غريب في بيتي"، وظهوره المميز في "أونكل زيزو حبيبي"، إلى جانب مشاركاته السينمائية والمسرحية التي رسّخت مكانته كفنان يمتلك أدواته الخاصة.

من الصعيد إلى النجومية

انطلقت رحلة جورج سيدهم من مدينة جرجا بمحافظة سوهاج، في بيئة بعيدة تمامًا عن الأضواء، إلا أن طموحه لم يعرف حدودًا. التحق بكلية الزراعة بجامعة عين شمس، وتخصص في الإنتاج الحيواني، بل وحصل على درجة الماجستير، وكان على مشارف استكمال مسيرته الأكاديمية، قبل أن ينتصر لشغفه بالفن ويقرر خوض مغامرة لم تكن سهلة، لكنها كانت الأصدق.

بدأ خطواته الأولى من خلال فرق التلفزيون المسرحية في أوائل الستينيات، حيث ظهرت ملامح موهبته القائمة على التعبير الجسدي الدقيق والإحساس الصادق، وهي الأدوات التي ستصبح لاحقًا سر تميّزه.

ثلاثي أضواء المسرح

جاءت نقطة التحول الكبرى مع تأسيس فرقة "ثلاثي أضواء المسرح" إلى جانب الضيف أحمد وسمير غانم، تحت إشراف المخرج محمد سالم. هذا الثلاثي لم يكن مجرد فريق فني، بل ظاهرة ثقافية صنعت شكلًا جديدًا من الكوميديا، قائمًا على الإسكتشات السريعة والاستعراضات الذكية.

قدّموا أعمالًا أصبحت جزءًا من التراث الفني، مثل "دكتور الحقني" و"كتوموتو"، كما كانوا من أوائل من قدّموا فوازير رمضان بشكل استعراضي حديث من خلال "فوازير ثلاثي أضواء المسرح" عام 1968 و"وحوي يا وحوي" عام 1969. وعلى خشبة المسرح، تألقوا في أعمال مثل "طبيخ الملايكة" و"براغيت" و"فندق الأشغال الشاقة".

امتد نجاح جورج سيدهم إلى السينما، حيث شارك في عدد من الأفلام التي عكست أسلوبه الخاص، مثل "30 يوم في السجن"، و"العميل 77"، و"واحد في المليون". لم يكن حضوره صاخبًا، لكنه كان مؤثرًا، يعتمد على التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق، وتمنح المشهد عمقًا إنسانيًا وكوميديًا في آن واحد.

صدمة الرحيل وبداية جديدة

رغم أن رحيل الضيف أحمد في السبعينيات شكّل صدمة كبيرة في مسيرته، إلا أن جورج سيدهم وسمير غانم تمكّنا من استكمال الطريق وحققا نجاحات لافتة، خاصة من خلال مسرحية "المتزوجون"، التي تُعد واحدة من علامات المسرح الكوميدي، إلى جانب أعمال أخرى مثل "موسيقى في الحي الشرقي" و"أهلًا يا دكتور".

شكّل انفصال الثنائي فنيًا مرحلة جديدة في حياة جورج سيدهم، اعتمد فيها على نفسه، محتفظًا باسم "ثلاثي أضواء المسرح"، ونجح في إثبات قدرته على الاستمرار منفردًا عبر أعمال مثل "درويش يتألق فرحًا"، و"جواز مع الاشتراك في الأرباح"، و"لو أنت فأر أنا قطة"، و"حب في التخشيبة".

حياة هادئة ونهاية قاسية

بعيدًا عن الأضواء، عاش حياة إنسانية مستقرة، تزوّج خلالها من الدكتورة ليندا، في علاقة اتسمت بالهدوء والدعم المتبادل، رغم عدم إنجابهما أطفالًا. عُرف عنه التفرغ الكامل لفنه، بينما كان شقيقه يتولى إدارة شؤونه المالية.

لكن نهاية التسعينيات حملت منعطفًا مأساويًا، بعدما تعرّض لجلطة دماغية أدت إلى شلل نصفي أثّر على حركته وقدرته على الكلام، ليبتعد قسرًا عن الساحة الفنية، وكان آخر ظهور درامي له في مسلسل "بوابة الحلواني".

رغم سنوات الغياب الطويلة، لم يغب اسمه عن الجمهور، وظلت أعماله حاضرة على الشاشات، تُلهم أجيالًا جديدة من الفنانين. وظهر في مناسبات محدودة، أبرزها إعلان رمضاني عام 2014، أعاد من خلاله جزءًا من تواصله مع محبيه.

وفي 27 مارس 2020، رحل جورج سيدهم عن عمر ناهز 81 عامًا، بعد صراع مع المرض، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا لا يُقاس بعدد الأعمال، بل بعمق التأثير.

لم يكن جورج سيدهم مجرد ممثل كوميدي، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، أعادت تعريف الضحك وقدّمته بوصفه فنًا راقيًا نابعًا من الصدق. ترك خلفه تراثًا حيًا من اسكتشات "ثلاثي أضواء المسرح" إلى روائع المسرح التي لا تزال تُعرض حتى اليوم.

رحل الجسد، لكن البسمة التي رسمها لا تزال باقية، تؤكد أن الكوميديا الحقيقية لا تموت، وأن اسم جورج سيدهم سيظل محفورًا في وجدان الفن العربي كأحد أنقى وأصدق من صنعوا الضحك.