كشف تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" أنه، في الفترة التي سبقت الانتخابات المحورية في المجر في أبريل، بدأت وحدة تابعة لجهاز المخابرات الخارجية الروسية، الشهر الماضي، في دق ناقوس الخطر بشأن تراجع الدعم الشعبي لرئيس الوزراء فيكتور أوربان، الذي لطالما منحت علاقاته الودية مع موسكو الكرملين موطئ قدم استراتيجيًا داخل حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
وفق التقرير، أشار ضباط من جهاز المخابرات الخارجية الروسية(SVR) إلى أن اتخاذ إجراءات جذرية قد يكون ضروريًا، وهي استراتيجية أطلقوا عليها اسم "مُغيِّر قواعد اللعبة".
وفي تقرير داخلي لجهاز المخابرات الخارجية الروسية، حصلت عليه وكالة استخبارات أوروبية، اقترح عملاء طريقة "لتغيير نموذج الحملة الانتخابية بالكامل بشكل جذري"، والتي تمثلت في "تدبير محاولة اغتيال فيكتور أوربان".
وكتب العملاء، في تقرير أعدّوه للوحدة الرئيسية التابعة لجهاز الاستخبارات الخارجية الروسية (SVR) والمعنية بعمليات التأثير السياسي، المعروف بـ "قسم التدابير النشطة" (MS): "إن مثل هذا الحادث سيحول تصور الحملة من المجال العقلاني للأسئلة الاجتماعية والاقتصادية إلى المجال العاطفي، حيث ستصبح الموضوعات الرئيسية هي أمن الدولة واستقرار النظام السياسي والدفاع عنه".
حاليًا، تُظهر استطلاعات الرأي في المجر تراجعًا في شعبية أوربان أمام خصمه بيتر ماجيار، وهو أيضًا محافظ وعضو سابق في حزب "فيدس" الذي ينتمي إليه أوربان، ولكنه يخوض حملته الانتخابية بصفته مُصلِحًا مناهضًا للفساد.
ينقل التقرير عن عملاء الاستخبارات الروس أن "الأغلبية (52.3%) غير راضين عن الأوضاع في البلاد. ولا يقتصر هذا الاستياء على المدن فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المناطق الريفية (50.8%) حيث يتمتع حزب فيدس الحاكم تقليديًا بنفوذ قوي".
ويلمح تقرير الصحيفة إلى أن الهجوم، الذي وقع في يوليو 2024 خلال الانتخابات الأمريكية، والذي أُصيب فيه دونالد ترامب، أسفر عن صور مميزة له، وإشادة بصموده، وارتفاع سريع في أرقام استطلاعات الرأي الخاصة به، وخاصة بين مؤيديه الأساسيين.
دعم أوربان
وفقًا لمسؤولين أمنيين أوروبيين، تضمنت الإجراءات الروسية المزعومة لدعم أوربان، حملة على وسائل التواصل الاجتماعي مدعومة من الكرملين؛ لتضخيم الرسائل التي تُفيد بأنه هو المرشح الوحيد القادر على حماية سيادة المجر.
وقد تم نقل بعض الروايات المدعومة من الكرملين من خلال تيجران جاريبان، وهو مستشار ومبعوث روسي في سفارة موسكو في بودابست، والذي، وفقًا لأحد مسؤولي الأمن الأوروبيين، يعقد اجتماعات منتظمة مع صحفيين مجريين موالين للحكومة لإعطائهم مهام وتعليمات.
كما اقترح العملاء الروس في تقريرهم أن يربط أوربان حكمه بالسلام؛ باعتباره "مساحة للاستقرار والقدرة على التنبؤ والتنمية طويلة الأجل"، وأن يركز حملته على تصوير المجر على أنها "دمية" في يد بروكسل، وحزب "تيسا" المعارض على أنه "حزب الحرب" الذي يدعم أوكرانيا.
ونقلت "واشنطن بوست" عن أحد مسؤولي الأمن الأوروبيين، أن جهازه قد أُبلغ بوصول ثلاثة أشخاص يعملون لصالح الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU) إلى المجر، مؤكدًا بذلك تقريرًا صادرًا عن وكالة التحقيقات المستقلة المجرية VSquar.
وقال أحد المسؤولين الغربيين إنه "على الرغم من امتلاك حزب فيدس آلة دعائية ماهرة خاصة به، فإن العملاء الروس قد يكونون "متورطين في التخطيط للطوارئ". وأضاف آخر: "كان أوربان أحد أفضل حلفاء روسيا. من الصعب تصور أن الروس لن يكونوا على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدة إذا ساءت الأمور".
ومع تبادل الاتهامات بين الطرفين بالتلاعب وحملات التشويه، وتقارب نتائج استطلاعات الرأي، باتت الانتخابات على حافة الهاوية. وتتزايد المخاوف في بودابست من إمكانية الطعن في نتائجها.
نحو موسكو
عندما برز أوربان كشخصية سياسية في المجر بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بفترة وجيزة، اشتُهِر بمعارضته الشديدة للحكم الشيوعي. وخلال فترة ولايته الأولى كرئيس للوزراء، من يوليو 1998 إلى مايو 2002، انضمت المجر إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) رغم اعتراضات موسكو.
بعد انتخابه للمرة الثانية في عام 2010، انجذب أوربان إلى فلك موسكو، معززًا العلاقات مع روسيا على حساب شركاء المجر الغربيين، ومتبنيًا القيم الشعبوية التقليدية.
قال العديد من مسؤولي الأمن الأوروبيين الحاليين والسابقين، بمن فيهم فيرينك فريس، الرئيس السابق لجهاز الدفاع السيبراني المجري، إن حكومة أوربان وفرت لموسكو على مدى سنوات نافذة حيوية على المناقشات الحساسة في الاتحاد الأوروبي، سواء من خلال الوصول المادي لحلفائها في الحكومة المجرية أو من خلال اختراق قراصنة روس لشبكات الكمبيوتر التابعة لوزارة الخارجية المجرية.
ونقل التقرير عن أحد مسؤولي الأمن الأوروبيين أن وزير الخارجية المجري سيارتو كان يجري مكالمات هاتفية منتظمة خلال فترات الاستراحة في اجتماعات الاتحاد الأوروبي؛ لتزويد نظيره الروسي، سيرجي لافروف، بـ "تقارير مباشرة عمّا تمّت مناقشته" والحلول الممكنة.
وقال: "من خلال هذه المكالمات، كان كل اجتماع للاتحاد الأوروبي على مر السنين يضم موسكو بشكل أساسي خلف الطاولة".
لذا، ووسط كل هذه التوترات السياسية، كثّفت أجهزة الاستخبارات الخارجية الروسية جهودها لدعم حملة أوربان. فإلى جانب المذكرة التي تحدد الإستراتيجيات المحتملة، وجّهت روسيا عملاءها لاتخاذ إجراءات ملموسة لتشويه سمعة مرشحي المعارضة، وفقًا لوثائق إضافية.