مع تصاعد الحرب بين إسرائيل وإيران، فرضت السلطات الإسرائيلية قيودًا رقابية مشددة على وسائل الإعلام، وحدَّت من قدرة الصحفيين على نقل الوقائع الميدانية بدقة، وخلقت فجوة بين الرواية الرسمية وما يمكن توثيقه فعليًا على الأرض، وفق موقع "+972" الإسرائيلي.
قيود رقابية
منذ بداية الحرب مع إيران، فرض الجيش الإسرائيلي لوائح رقابة صارمة على وسائل الإعلام المحلية والدولية العاملة داخل البلاد، ما أعاق قدرة الصحفيين على تغطية الأحداث ميدانيًا.
يُحظَر على المراسلين نشر المواقع الدقيقة لتأثيرات الصواريخ الإيرانية، أو تصوير حجم الأضرار بما قد يكشف تلك المواقع، وأوضح رئيس الرقابة في الجيش نتانيل كولا أن هذه القيود تهدف إلى منع تقديم أي مساعدة للعدو أثناء الحرب.
خارج أوقات الحرب، يمنح القانون الإسرائيلي الرقابة العسكرية سلطة منع نشر معلومات معينة حتى بأثر رجعي، وتشمل هذه القيود قضايا مرتبطة بصفقات الأسلحة أو الأنشطة الاستخباراتية، إلى جانب موضوعات أمنية أخرى.
توجيه التغطية
أدت هذه القيود إلى مواقف معقدة للصحفيين، إذ وثَّق موقع "+972" حالة أصاب فيها صاروخ إيراني هدفًا مباشرًا، بينما أصابت شظاياه منشأة تعليمية مجاورة، ومع ذلك سُمح فقط بتغطية الأضرار الثانوية دون الإشارة إلى الهدف الأصلي.
في واقعة أخرى، طلب شخص يُرجَّح أنه تابع لجهة أمنية من الشرطة توجيه الصحفيين لعدم تصوير الهدف الحقيقي للغارة، رغم أن الأضرار الظاهرة كانت في مبنى مدني، وأقر ضابط بأن الصحفيين لم يكونوا ليلحظوا ذلك دون التنبيه.
قال مسؤولون في منظمات إعلامية دولية، بحسب "+972"، إن هذه القيود جعلت من الصعب الحفاظ على المعايير المهنية المعتادة، وأدت إلى فجوات واضحة في نقل الصورة الكاملة للأحداث.
بث مقيد
تشمل القيود أيضًا البث المباشر، إذ تُمنَع وكالات الأنباء من إظهار مواقع إطلاق الصواريخ الاعتراضية، ما يضطرها إلى قطع البث أو توجيه الكاميرات بعيدًا عن أفق المدن مثل تل أبيب والقدس المحتلة.
أفاد مسؤول رفيع في إحدى وكالات الأنباء بأنه بعد قطع البث، يتم إرسال بعض المقاطع إلى الرقابة للموافقة عليها، مشيرًا إلى أن هيئة الرقابة منعت نشر العديد من هذه المقاطع، بما في ذلك مقطع لعملية اعتراض فاشلة ومقطع لشظية صاروخية تواصل مسارها.
كما رفضت الرقابة صورًا ثابتة لإطلاق الصواريخ الاعتراضية، حتى تلك التي لا تكشف مواقع دقيقة، ما زاد من صعوبة توثيق الأحداث بشكل شامل، وفق ما نقله الموقع.
الاعتماد على البيانات
قال مدير كبير في إحدى وسائل الإعلام الأجنبية العاملة في إسرائيل: "من الصعب فهم ما يحدث فعلًا، في كثير من الحالات، نتلقى تقارير رسمية تفيد بعدم وقوع أي ضربات أو أضرار، ثم نكتشف لاحقًا أن هدفًا ما قد أُصيب.. لا نستطيع الإبلاغ أو التأكيد، لذا لا نعلم إن كان ذلك قد حدث أم لا".
وأشار المدير إلى أن المؤسسات الإعلامية لا تستطيع التأكيد أو النفي بشكل مستقل، ما يتركها أمام فهم جزئي للواقع، مضيفًا أن التغطية في هذه الظروف "ليست صادقة" بسبب القيود المفروضة.
تعكس هذه الشهادات، كما أورد الموقع، فجوة بين ما يحدث ميدانيًا وما يمكن نشره، في ظل منظومة رقابية تحد من تدفق المعلومات.
تضييق ميداني
في مساء الحادي عشر من مارس، شنَّ حزب الله اللبناني وابل صواريخ كثيفًا، وكانت وسائل الإعلام الإسرائيلية على علم مسبق بذلك، لكنها مُنعت من نشر المعلومات، كما ذكرت مراسلة القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن الرقابة رفضت نشر معلومات عن التصعيد المتوقع، قبل أن تُنشر لاحقًا عبر شبكة إعلامية أمريكية، ما أتاح نشرها داخل إسرائيل.
وأشارت القناة إلى أن هذا النهج يحرم الجمهور من معلومات آنية تساعده على الاستعداد، ووصفت الوضع بأنه غير منطقي، قبل أن يقر متحدث الجيش بخطأ عدم إطلاع الجمهور.
شهدت الحرب أيضًا احتجاز صحفيين أثناء عملهم، حيث تم توقيف صحفيين من شبكة "سي إن إن" خلال بث مباشر قرب مقر القيادة العسكرية في تل أبيب، كما قام أفراد من فرق أمن مدني في موقع سقوط صواريخ في "رامات غان" بالتحقق من هويات الصحفيين رغم موافقة الشرطة، وطالبوا بالتأكد من عدم وجود "جواسيس"، وفق ما وثقه الموقع.
في حادثة أخرى، اتهم شخص متطوع صحفيًا فلسطينيًا دون دليل بنقل مواقع الضربات، بعد طلبه الاطلاع على بطاقة اعتماده، ما يعكس تضييقًا إضافيًا على العمل الإعلامي.
نتيجة القيود، اضطر الصحفيون إلى تطوير طرق بديلة لنقل المعلومات، إذ باتوا يوثقون فقط ما يعرفون أنه مسموح بنشره لتجنب حذف المحتوى لاحقًا.
فيما أفاد أحد الصحفيين بأن الرقابة أمرت بحذف تقرير سابق من موقع سقوط صاروخ، ما دفعه لاحقًا إلى الاكتفاء بنشر مواد محدودة تتوافق مع القيود المفروضة.
في إحدى الحالات، لجأت وسائل إعلام إلى نقل بيانات صادرة عن حزب الله ومقاطع من وسائل التواصل الاجتماعي، لتعويض القيود المفروضة على نشر مواقع الضربات، وفقًا لما أورده موقع "+972".