بينما يقف الشرق الأوسط على حافة صراع إقليمي واسع، تبرز التحركات المصرية كعامل توازن رئيسي و"صمام أمان" في معادلة الاستقرار الإقليمي، فالقاهرة تتحرك وفق استراتيجية دبلوماسية تجمع بين حماية الأمن القومي العربي وفتح قنوات للحوار وخفض التصعيد.
ويرى خبراء أن الاتصالات التي أجرتها القيادة السياسية المصرية مؤخرًا تعكس حراكًا دبلوماسيًا فاعلًا يؤكد مكانة مصر كطرف موثوق قادر على مخاطبة مختلف أطراف الصراع وتغليب صوت العقل والقانون الدولي.
ومنذ اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في صباح يوم السبت 28 فبراير 2026، تبذل القاهرة جهودًا كبيرة لتحقيق التهدئة بين الأطراف المتنازعة، وتحاول فتح قنوات اتصال بهدف تقليل التوترات المستمرة، وضمان الوصول إلى حلول سلمية، خصوصًا أن القاهرة صوت ينادي بالاستقرار مع التمسك برفض أي مساس بسيادة الدول العربية أو أمن شعوبها.
أمن الأشقاء وحسن الجوار
وفي قمة الاتصالات السياسية، جاء الحديث المباشر بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان؛ ليؤكد رفض مصر القاطع لاستهداف إيران لدول "الخليج، الأردن، العراق"، إذ شدد الرئيس المصري على أن هذه الدول اتخذت مواقف "بناءة" ولم تشارك في الحرب، بل دعمت المسار الدبلوماسي بين طهران وواشنطن.
ودعا "السيسي" بوضوح إلى وقف الهجمات فورًا وإعلاء مبدأ حسن الجوار، معربًا عن القلق البالغ من تدمير مقدرات شعوب المنطقة نتيجة هذا التصعيد، وأعلن الرئيس المصري استعداد بلاده الكامل للاضطلاع بدور "الوسيط" لتغليب الحلول السياسية، بشرط العودة إلى المسار التفاوضي والتحلي بالمرونة، مشددًا على ضرورة احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
فيما أبدى الرئيس الإيراني تقديره للدور المصري ولمكانة نظيره المصري، مؤكدًا حرص طهران على علاقات الأخوة مع العرب، ومذكرًا بمشاركة بلاده السابقة في مفاوضات البرنامج النووي.
تنسيق دولي مكثف
بالتوازي مع الدور الرئاسي، قاد وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي، حراكًا دبلوماسيًا شمل باريس وبرلين وبكين وبروكسل، ونجحت مصر في الدفع بضرورة الحل السياسي كسبيل وحيد، مع الترحيب بالدور المصري الراعي لقرار مجلس الأمن رقم 2817 الهادف لوقف الهجمات الإيرانية وحماية المدنيين.
وأكد الوزير المصري خلال الاتصالات والحراك الدبلوماسي أن أمن الخليج "جزء لا يتجزأ" من أمن مصر، مع رفض أي مساس بسيادة لبنان أو وحدة أراضيه، وطرحت مصر رؤية شاملة للأمن الإقليمي تتضمن تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك وتشكيل قوة عربية مشتركة كضمانة ضد التهديدات الخارجية.
كما أجرت القاهرة اتصالات رفيعة المستوى مع فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي والصين لبلورة "تصور عملي" لإنهاء الحرب ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة، وتوافقت مع القوى الدولية، خصوصًا الصين والاتحاد الأوروبي، على أنه "لا يوجد سوى الحل الدبلوماسي" لاحتواء الموقف وضرورة الالتزام بسياسة حسن الجوار.
وشددت مصر على ضمان "حرية الملاحة البحرية" ورفض أي عرقلة لها؛ نظرًا لتأثيرها المباشر على حركة التجارة والاقتصاد العالمي، وطالبت مصر شركاءها "فرنسا والاتحاد الأوروبي" بسرعة تحويل شرائح دعم الموازنة لمواجهة التداعيات الوخيمة للتصعيد، مثل ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء ونفقات الشحن والتأمين البحري.
نجاحات دبلوماسية
وعن أهمية الدور المصري وتأثيره في المنطقة، أكد الكاتب والمحلل السياسي والخبير في الشؤون الآسيوية عامر تمام، أن الموقف المصري تجاه التطورات الراهنة في منطقة الشرق الأوسط، خصوصًا ما يتعلق بالصراع الجاري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يجسد نجاحات السياسة الخارجية المصرية وثوابتها القائمة على حماية الأمن القومي العربي.
وفي حديثه لـ"القاهرة الإخبارية"، اليوم الأحد، أوضح "تمام" أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لطالما شدد على أن أمن الدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج، هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأشار إلى أن القاهرة تتبنى موقفًا حازمًا بإدانة أي اعتداءات تطال الأراضي العربية، وهو ما ظهر جليًا في الموقف الرسمي الرافض للهجمات الإيرانية الأخيرة.
وأضاف الخبير السياسي أن الموقف المصري، الذي تم التعبير عنه في أكثر من مناسبة، سواء عبر وزارة الخارجية أو من خلال الاتصالات المباشرة للرئيس السيسي – وآخرها مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان – يرتكز على ضرورة وقف التصعيد وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، مؤكدًا أن مصر تدعو جميع أطراف الصراع إلى وضع المواثيق والقوانين الدولية نصب أعينها لتجنيب المنطقة تداعيات الحروب الكارثية.
وتحدث "تمام" عن قدرة الدولة المصرية على الحفاظ على هذا المسار المتوازن والحاسم في آن واحد، ما يعكس تراكم النجاحات الدبلوماسية على مدار السنوات الماضية، حيث تظل القاهرة صوتًا ينادي بالاستقرار مع التمسك برفض أي مساس بسيادة الدول العربية أو أمن شعوبها.