مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، يتجدد الجدل حول قدرة منظومات الدفاع الجوي الإيرانية على مواجهة الهجمات الجوية المتقدمة التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل. وعلى الرغم من امتلاك طهران عددًا من الأنظمة الدفاعية المتنوعة، فإن فعالية هذه المنظومات تبقى محدودة أمام خصوم يمتلكون تفوقًا تكنولوجيًا كبيرًا في الطيران والحرب الإلكترونية والصواريخ الدقيقة.
وأجرى موقع "القاهرة الإخبارية"، حوارًا مع اللواء أركان حرب الدكتور إبراهيم عثمان، الخبير الإستراتيجى ونائب أمين عام مجلس الدفاع الوطنى سابقًا، ليطلعنا على الأسباب الحقيقية وراء هذه الأزمة.
لماذا تبدو منظومة الدفاع الجوي الإيرانية غير فعّالة؟
بشكل عام، تتكون منظومة الدفاع الجوي الحديثة من عدة عناصر أساسية تشمل الرادارات للإنذار المبكر، ومنظومات الاعتراض الصاروخية، والطائرات المقاتلة الاعتراضية، إضافة إلى شبكة قيادة وتحكم متقدمة تنسق بين هذه المكونات.
وتمتلك إيران بالفعل عددًا من هذه الأنظمة، من بينها المنظومة الروسية S-300 air defense system، إلى جانب منظومة الدفاع الجوي المحلية Bavar-373، فضلًا عن أنظمة متوسطة وقصيرة المدى مثل Tor-M1، إضافة إلى شبكة من الرادارات بعيدة المدى التي طورتها الصناعات العسكرية الإيرانية.
لكن امتلاك هذه الأنظمة لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامها بكفاءة عالية ضد خصم متفوق تكنولوجيًا. فالصاروخ الدفاعي المتطور يعتمد أساسًا على الرادار وشبكة القيادة والتحكم لتحديد الأهداف وتوجيه عملية الاعتراض، وحال تعطيل الرادارات أو إخراجها من الشبكة، تصبح الصواريخ غير قادرة على إصابة أهدافها بدقة.
هل السر في الفجوة التكنولوجية بين إيران والغرب؟
ومن بين أحد أبرز أسباب ضعف فعالية الدفاعات الجوية الإيرانية يتمثل في الفجوة التكنولوجية مقارنة بالقدرات الجوية الغربية.
فالولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان مقاتلات شبحية متقدمة مثل F-35 Lightning II وF-22 Raptor، وهي طائرات صممت لتقليل إمكانية اكتشافها بواسطة الرادارات التقليدية.
كما تمتلك هذه الدول طائرات حرب إلكترونية قادرة على تعطيل أو التشويش على أنظمة الرادار والاتصالات، إضافة إلى صواريخ بعيدة المدى عالية الدقة مثل Tomahawk cruise missile الذي يصل مداه إلى نحو 1600 كيلومتر.
وفي مثل هذه العمليات، غالبًا ما تبدأ الضربات العسكرية بتعطيل الرادارات وأنظمة القيادة والسيطرة واستهداف مواقع الدفاع الجوي نفسها قبل دخول الطائرات المقاتلة إلى نطاق الاشتباك، ما يعرف عسكريًا بعمليات قمع وتدمير الدفاعات الجوية المعادية.
وتعتمد منظومات الدفاع الجوي الحديثة على شبكة متكاملة تربط بين الرادارات ومنصات إطلاق الصواريخ ومراكز القيادة والتحكم، بحيث يتم نقل بيانات الأهداف بسرعة كبيرة واتخاذ قرار الاشتباك في الوقت المناسب.
ما تأثير العقوبات الاقتصادية على تسليح إيران؟
العقوبات الاقتصادية الطويلة التي تواجهها إيران أسهمت في إحداث فجوة تكنولوجية بين قدراتها الدفاعية وبين التطور السريع في الطائرات والصواريخ الغربية. كما أن بعض التقارير تشير إلى نجاح عمليات اختراق إلكتروني استهدفت شبكات الاتصالات العسكرية الإيرانية، خلال السنوات الماضية.
الجغرافيا تقف حائلًا أمام بناء شبكة دفاع جوي قوية.. ما تعليقك؟
وتشكل الجغرافيا الإيرانية الواسعة تحديًا إضافيًا أمام بناء شبكة دفاع جوي فعّالة. فإيران دولة شاسعة المساحة وتضم مناطق جبلية واسعة، ما يتطلب نشر مئات البطاريات الدفاعية بعيدة المدى لضمان تغطية جوية كاملة.
لكن الواقع يشير إلى أن طهران تُركز الجزء الأكبر من منظوماتها الدفاعية حول العاصمة طهران والمنشآت النووية والمواقع العسكرية الحساسة، ما يترك مساحات واسعة من المجال الجوي أقل حماية.
حدثنا عن عوامل التفوق في الحروب؟
إن التفوق في الحروب الجوية لا يعتمد فقط على عدد الأنظمة الدفاعية، بل أيضًا على جودة الرادارات، وقدرات الحرب الإلكترونية، ومستوى التدريب على مواجهة سيناريوهات معقدة.
وتعتمد القوات الجوية الأمريكية والإسرائيلية عادة على سلسلة عمليات تبدأ بالاستطلاع الإلكتروني، ثم التشويش على الرادارات، يليها استهداف مراكز القيادة ومنظومات الدفاع الجوي، قبل تنفيذ الضربة الجوية الرئيسية باستخدام الطائرات الشبحية والصواريخ بعيدة المدى.
لماذا تُركز إيران على الصواريخ والمُسيّرات؟
بدلًا من الاستثمار المكثف في الدفاع الجوي، ركزت إيران خلال العقود الماضية على تطوير قدراتها في مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة.
ويرتبط ذلك بما يعرف بعقيدة "الردع غير المتماثل"، إذ تعتمد طهران على تهديد خصومها بضربات صاروخية أو عبر حلفائها الإقليميين في المنطقة، في دول مثل لبنان والعراق واليمن، بهدف نقل ساحة الصراع بعيدًا عن الأراضي الإيرانية.
وبناء منظومة دفاع جوي متكاملة ومتطورة يتطلب استثمارات مالية ضخمة قد تصل إلى مليارات الدولارات، في حين أن الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة الهجومية تُعد أقل تكلفة نسبيًا وأكثر تأثيرًا من حيث الردع النفسي والعسكري.
هل استنزفت الحروب قدرات الدفاع الجوي الإيراني؟
لم تؤد الحروب غير المباشرة التي خاضتها إيران أو حلفاؤها في دول مثل لبنان والعراق واليمن إلى استنزاف الدفاع الجوي الإيراني داخل أراضيها بشكل مباشر، لكن الضربات الجوية الإسرائيلية المتكررة ضد مواقع مرتبطة بإيران في المنطقة، إضافة إلى العمليات السيبرانية وعمليات الاغتيال التي استهدفت علماء وقادة عسكريين إيرانيين، كشفت عن ثغرات واضحة في بنية منظومة الدفاع الجوي الإيرانية.
كيف تُعالج إيران هذه الأزمة؟
في ظل صعوبة الحصول على منظومات دفاعية متقدمة من الخارج بسبب العقوبات، تبدو خيارات إيران الحالية قائمة على تطوير التكتيكات وأساليب الاستخدام بدلًا من الاعتماد على شراء أنظمة جديدة.
وتشمل هذه الإجراءات نشر بطاريات الدفاع الجوي بشكل أكثر لامركزية، والاعتماد على الأنظمة المتحركة بدلًا من المواقع الثابتة، وتعزيز حماية المنشآت الحيوية عبر التحصينات والمنشآت تحت الأرض.
كما يمكن أن تتجه إيران إلى توسيع استخدام الحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية المضادة، إضافة إلى استخدام إستراتيجية الردع الهجومي عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة لرفع تكلفة أي هجوم محتمل عليه.