قال السفير عاطف سالم سيد الأهل، سفير مصر الأسبق لدى إسرائيل، إن ثورة 23 يوليو أرست أطرًا واضحة لتحرك الدبلوماسية المصرية داخل الدوائر العربية والإفريقية والعالم الإسلامي ودول العالم الثالث، مشيرًا إلى أن هذه المحددات لا تزال تؤثر في توجهات السياسة الخارجية حتى اليوم.
وأوضح، خلال استضافته ببرنامج "الجلسة سرية" على قناة "القاهرة الإخبارية" مع الإعلامي سمير عمر، أن تلك الأطر شهدت تطورًا ملحوظًا في المرحلة الراهنة، إذ لم تعد تقتصر على البعد السياسي، بل اتسعت لتشمل البعد الاقتصادي في علاقات مصر بمحيطها العربي والإفريقي ودوائر أخرى.
وأشار إلى أن البعد الأمني أصبح أكثر تأثيرًا اليوم، وأن الاهتمام بالجوانب الجيوسياسية في مناطق مثل القرن الإفريقي ازداد بشكل ملحوظ، مؤكدًا أن الفكر الأمني والجيوسياسي يتطور في كل الدول، مستشهداً بإسرائيل حيث تغيرت إستراتيجيات الأمن القومي منذ وضع ديفيد بن جوريون أسسها، مع تعديلات كبيرة ظهرت نتيجة أحداث مثل حرب غزة الأخيرة.
وأوضح أن هذه التجارب تبرز أهمية وضع إستراتيجيات تمنع وقوع الصراعات داخل البلاد، مع القدرة على إطلاق الإنذارات واتخاذ التدابير اللازمة لضمان الأمن الوطني.
وتحدث سفير مصر الأسبق لدى إسرائيل، عن تجربته قنصلًا في إيلات عام 2006، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي في تلك الفترة كان إيهود أولمرت، فيما كانت داليا إيتسيك من أبرز الشخصيات القوية في البلاد، مضيفًا أن حرب حزب الله أو لبنان شهدت نزوحًا كبيرًا لسكان شمال إسرائيل نحو الجنوب، حيث بلغ عدد الذين لجأوا إلى الملاجئ نحو مليون شخص.
وأوضح أن السفارة كانت تتابع الأحداث لحظة بلحظة، بما في ذلك فتح مخازن السلاح، ومتابعة المخابئ المحصنة وفق قانون المخابئ الإسرائيلي الذي يفرض تجهيز كل منزل بغرفة محصنة بالحديد، مضيفًا أن هذا المتابعة كانت ضرورية لفهم كيفية إدارة الجبهة الداخلية للأزمة.
وأشار السفير إلى أن إسرائيل شكَّلت نحو 16 لجنة تحقيق منذ 1968 لدراسة مختلف الأزمات والحروب، بما في ذلك حرب 2006 مع حزب الله، بهدف استخلاص الدروس وتحسين الأداء المستقبلي، مؤكدًا أن هذه اللجان كانت تحلل ما تم كسبه وما خسره الإسرائيليون من أي عملية.
واعتبر "سيد الأهل" أن لجان التحقيق والمساءلة تمثل أحد العناصر الأساسية التي تمكن الإسرائيليين من تصحيح أخطائهم، مشيرًا إلى فعاليتها على مدى السنوات حتى عام 2022.
لجنة التحقيق بشأن "طوفان الأقصى"
وأوضح أن هذه اللجان كانت تُشكل غالبًا تحت إشراف المحكمة الأولية الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن الوضع الحالي اختلف، وأنه لم يتم تشكيل لجنة تحقيق رسمية بشأن أحداث "طوفان الأقصى"، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو يرفض إنشاء لجنة رسمية ويقترح بدلًا منها لجنة متوازنة تجمع ممثلين عن المعارضة والحكومة، مستلهمًا من تجربة لجنة التحقيق الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر.
وتطرق سفير مصر الأسبق لدى إسرائيل للحديث عن العلاقة بين الجناح العسكري والسياسي في إسرائيل، موضحًا أن هناك فصل بين الفريقين، لكنه أشار إلى وجود نوع من الاندماج، مستذكرًا ما يُعرف بـ"المطبخ السياسي" الذي أنشأه "بن جوريون" لجمع العسكريين والمدنيين لدراسة المعاملات والمفاوضات بعناية.
وأشار إلى استمرار هذه الآلية عبر حكومات لاحقة، بما في ذلك إسحاق رابين ويتسحاق شامير، مع وجود مطابخ متعددة تتولى دراسة القضايا الأسبوعية وإبداء الرأي السياسي.
وأكد أن جهاز المخابرات الحربية، يعد الأهم داخل المنظومة العسكرية في إسرائيل، نظرًا لدوره المحوري في رفع التقديرات والتقارير إلى المستوى السياسي، مشيرًا إلى أنه يمثل المرجعية الأساسية حال تباين تقييمات الأجهزة الأمنية الأخرى، وفي مقدمتها الموساد وجهاز الأمن الداخلي "الشاباك".
وأوضح أن المستوى السياسي يعين سكرتيرًا عسكريًا للتنسيق بين الأجهزة الأمنية، مشيرًا إلى مثال هافمان، الذي يشغل حاليًا هذا الدور تحت إشراف رئيس الوزراء نتنياهو.
وقال السفير إن هناك نوعًا من التوافق ما بين الأجهزة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، والخلافات بينها كانت قليلة.
ولفت إلى أن الصلاحيات القانونية لرئيس الحكومة الإسرائيلية تطورت تاريخيًا، فخلال عهد "بن جوريون" لم يكن للوزير الأول حق فصل الوزراء، بينما منح قانون لاحق رئيس الحكومة سلطات واسعة تشمل تعيين وعزل رؤساء الأجهزة الأمنية، بما فيها الموساد والشباك وأمان، ورؤساء المحافظين في البنوك المركزية، ما يجعل من رئيس الحكومة صاحب الرأي الأخير وصلاحيات شبه مطلقة.
وأوضح أن هذه الصلاحيات الواسعة ساهمت في إدارة الخلافات داخل الأجهزة الأمنية، إلا أن أحداث مثل "طوفان الأقصى" أدت إلى تفاقم الخلافات بين رئيس الشباك والمستوى السياسي، حيث طُلب من رئيس الشباك القيام بإجراءات اعتبرها غير منطقية، مثل القبض على المتظاهرين أو دفع بعض العناصر المؤيدة للمظاهرات، ما أثار توترًا داخليًا داخل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
الانقسام الفلسطيني بدعم إسرائيل
وقال "سيد الأهل"، إن الانقسام الفلسطيني كان بدعم إسرائيل منذ بداية ظهور حركة حماس منذ أيام الشيخ أحمد ياسين، حيث بدأت المجموعة بتكوين صفوفها وشراء السلاح، بينما كانت السلطات الإسرائيلية تتقلب معها حسب مصالحها.
وأضاف أن هذا الدعم استمر بشكل مكثف بعد الانقلاب الذي نفذته حماس في غزة عام 2007، حيث حافظت إسرائيل على سلطة الحركة في القطاع بشكل غير طبيعي، وقدمت لها دعمًا واسعًا، مع إضعاف السلطة الفلسطينية وتقويض أي جهود للتقريب بين غزة والضفة الغربية.
أوضح أن إسرائيل كانت تتعامل مع حماس من خارج غزة، مستفيدة من عمل نحو 20% من عناصرها داخل إسرائيل، ما عزز اعتماد الحركة على الدعم الخارجي، ودفع مسؤولين إسرائيليين، بينهم وزير الدفاع الحالي، إلى وصفها بأنها "مردوعة" وتسعى للمال والسلطة مع الحفاظ على سيطرتها على القطاع.
وقال إن السياسة الإسرائيلية لا تتيح قيام دولة فلسطينية، وطرحت بدائل كإقامتها في سيناء عبر تبادل أراضٍ عام 2004 لتمديد غزة داخل الأراضي المصرية، مع نقل سكان إليها، مشيرًا إلى أن فكرة التهجير تعود إلى خمسينيات القرن الماضي وتكررت في مراحل لاحقة حتى اليوم.
وأضاف أن خططًا أوسع تناولت إنشاء مدن بسيناء وإعادة توزيع الفلسطينيين، وأن أحداث "طوفان الأقصى" أعادت إبراز هذه الطروحات، في ظل دراسات استخباراتية وتصريحات رسمية إسرائيلية بشأن التهجير.
"حبيب الحريديم"
وفي تقييمه لإيهود أولمرت، قال إنه نشأ على خلفية صهيونية متجذرة انعكست على مواقفه، مؤكدًا أن إسرائيل لم تحقق مسارًا تفاوضيًا مستدامًا منذ 1948، باستثناء تجربة رابين التي تعثرت بالاغتيال وخلافات داخلية، ما يعكس رفضًا واسعًا لقيام دولة فلسطينية.
ووصف نتنياهو بأنه سياسي ذكي تولى رئاسة الحكومة عام 1996 ونجح في إدارة التحالفات، مستفيدًا من خبرته وعلاقاته في الولايات المتحدة، وأنه بنى علاقات قوية مع الأسرة الأمريكية، بما في ذلك أسرة ترامب وجاريد كوشنر، وهو ما ساعده لاحقًا على تعزيز مكانته السياسية داخليًا وخارجيًا، مشيرًا إلى قدرته على مخاطبة الداخل والخارج، إضافة إلى كسب دعم الحريديم بتبني خطاب الدولة اليهودية وتوسيع الأراضي.