في وقت متأخر من ليلة أمس، في العاشرة والنصف مساءً في لندن، خلال الحفل الذي أعقب العرض العالمي الأول لفيلم "The Bride" أو "العروس"، وهو فيلم رومانسي إنتاج وارنر بروس، بدأت الهواتف ترنّ فجأة في أرجاء القاعة، التي حضر فيها بجانب النجوم الكاتبة والمخرجة ماجي جيلينهال، وجيسي باكلي، وكريستيان بيل، وجيك جيلينهال، عدد من المديرين التنفيذيين في "وارنر بروس بيكتشرز"، بقيادة الرئيسة التنفيذية المشاركة بام عبدي، حاملة خبر مفاده انسحاب نتفليكس من صفقة الاستحواذ على "وارنر بروس ديسكفري"، ما جعل "باراماونت سكاي دانس" على وشك تحقيق الفوز.
رفضت نتفليكس رسميًا زيادة عرضها لشراء "وارنر بروس ديسكفري"، بعد أن أعلنت الأخيرة أن عرض "باراماونت سكاي دانس" الأخير "أفضل" من الاتفاق الذي أبرمته مع نتفليكس، فيما شكّل قرار نتفليكس السريع بالانسحاب صدمةً كبيرةً في قطاع البث، إذ كان أمامها أربعة أيام عمل، أي حتى الأربعاء 4 مارس، لتقديم عرض جديد لإنقاذ صفقة "وارنر بروس ديسكفري".
وما زاد الأمر غرابةً، وجود تيد ساراندوس، الرئيس التنفيذي المشارك لنتفليكس، في واشنطن العاصمة في وقت سابق من أمس الخميس، في محاولة للتأثير على مسؤولي إدارة ترامب بشأن الصفقة، التي كانت نتفليكس أبرمت اتفاقية اندماج بشأنها، وسط عرض باراماونت الجديد البالغ 31 دولارًا للسهم الواحد.
صفقة غير مجدية
قال الرئيسان التنفيذيان المشاركان لشركة "نتفليكس" تيد ساراندوس وجريج بيترز، في بيان مشترك صدر أمس الخميس، بعد أقل من ساعتين من إعلان مجلس إدارة "وارنر بروس ديسكفري" عن قراره الجديد: "كانت الصفقة التي تفاوضنا عليها ستُحقق قيمة للمساهمين مع مسار واضح للحصول على الموافقات التنظيمية، ومع ذلك، لطالما التزمنا بالانضباط، وبالسعر المطلوب لمضاهاة أحدث عرض من باراماونت سكاي دانس، لم تعد الصفقة مُجدية من الناحية المالية، لذا نرفض مُضاهاة عرض باراماونت سكاي دانس.
وتابع البيان: "نعتقد أننا كنا سنكون أمناء أكفاء على علامات وارنر بروس التجارية الشهيرة، وأن صفقتنا كانت ستُعزز صناعة الترفيه وتحافظ على وظائف الإنتاج في الولايات المتحدة وتخلق المزيد منها.. لكن هذه الصفقة كانت دائمًا "ميزة إضافية" بالسعر المناسب، وليست "ضرورة مُلحة" بأي ثمن، ونود أن نشكر ديفيد زاسلاف، وجونار ويدنفيلز، وبروس كامبل، وبراد سينجر، ومجلس إدارة وارنر بروس ديسكفري على إدارة عملية عادلة ودقيقة".
أضاف: "تتمتع أعمال نتفليكس بوضعٍ قوي ومزدهر، وتنمو نموًا طبيعيًا، مدعومةً بمحتوى برامجنا وخدمة البث المتميزة، سنستثمر هذا العام ما يقارب 20 مليار دولار في أفلام ومسلسلات عالية الجودة، وسنوسع نطاق عروضنا الترفيهية، وتماشيًا مع سياستنا لتخصيص رأس المال، سنستأنف أيضًا برنامج إعادة شراء الأسهم، سنواصل ما دأبنا عليه لأكثر من 20 عامًا كشركة مساهمة عامة: إسعاد مشتركينا، وتنمية أعمالنا بشكل مربح، وتعزيز قيمة المساهمين على المدى الطويل".
وبلغت قيمة صفقة نتفليكس الملغاة، والتي شملت شراء وارنر بروس وHBO Max، نحو 83 مليار دولار، أما عرض باراماونت الأخير، الذي قُدِّم في 24 فبراير، فكان عرضًا بقيمة 111 مليار دولار تقريبًا للاستحواذ على شركة WBD بالكامل، بما في ذلك قنواتها التلفزيونية.
شراكة تحقق قيمة هائلة لمساهمينا
وفي بيانٍ له، حاول ديفيد زاسلاف، الرئيس التنفيذي لشركة وارنر بروذرز ديسكفري، إضفاء طابع إيجابي على هذا التطور الاستثنائي للأحداث، مشيدًا بالرئيسين التنفيذيين المشاركين لشركة نتفليكس، ساراندوس وجريج بيترز، والمدير المالي سبنسر نيومان.
وقال زاسلاف: "نتفليكس شركة رائعة، وطوال هذه العملية، كان تيد وجريج وسبنس وجميع العاملين فيها شركاء استثنائيين لنا، نتمنى لهم كل التوفيق في المستقبل".
وأضاف: "بمجرد أن يصوّت مجلس إدارتنا على اعتماد اتفاقية اندماج باراماونت، سيخلق ذلك قيمة هائلة لمساهمينا، نحن متحمسون لإمكانات باراماونت سكاي دانس ووارنر بروذرز ديسكفري المندمجتين، ونتطلع بشوق لبدء العمل معًا في سرد القصص التي تُحرك العالم".
أضاف صامويل أ. دي بيازا الابن، رئيس مجلس إدارة وارنر بروس ديسكفري: "أنا فخور للغاية بالعملية الدقيقة التي اتبعها هذا المجلس على مدار الأشهر الخمسة ونصف الشهر الماضية، والتي أوصلتنا إلى هذه المرحلة الحاسمة من دمج هاتين الشركتين العريقتين، وما سيجلبه ذلك من إثارة للجماهير لسنوات عديدة قادمة".
ومن بين بنود عرض باراماونت الجديد التي وجدها مجلس إدارة وارنر بروس ديسكفري أكثر ملاءمة لعرض نتفليكس، رفع سعر الشراء إلى 31 دولارًا للسهم نقدًا، وزيادة رسوم فسخ الاتفاقية التنظيمية إلى 7 مليارات دولار في حال عدم إتمام الصفقة لأسباب تنظيمية، وتأكيد باراماونت على التزامها بدفع رسوم الإنهاء البالغة 2.8 مليار دولار التي ستدفعها وارنر بروس ديسكفري لنتفليكس لإنهاء اتفاقية الاندماج الحالية مع نتفليكس.
تغيير مفاجئ وصدمة ومخاوف
أُصيب العاملون في هوليوود بالذهول إزاء التغيير المفاجئ في خطة نتفليكس لتعزيز وجودها في صناعة السينما والتلفزيون التقليدية، والآن بدأت تتضح حقيقة أن أحد استوديوهات هوليوود الرائدة "وارنر بروس" وعلامة HBO الرائدة في مجال التلفزيون المدفوع، على وشك الاندماج مع استوديو عريق آخر، ونظرًا للتداخل الكبير في عمليات إنتاج وبرمجة الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، تستعد الصناعة لجولة أخرى من فقدان الوظائف.
ولا يزال العاملون في القطاع مصدومين من قدرة Paramount Skydance على قلب ما بدا وكأنه هزيمة مُحرجة للرئيس التنفيذي ديفيد إليسون، فبعد تقديم عروض غير متوقعة عديدة لـ WBD الخريف الماضي، اضطر مجلس إدارة WBD لبدء عملية بيع استمرت في أواخر أكتوبر ونوفمبر.
وكان دخول Netflix ضمن المنافسة، إلى جانب Paramount وComcast، بمثابة مفاجأة، نظرًا لأن منصة البث اتبعت مسارًا غير تقليدي لبناء شركة تلفزيونية مدفوعة الأجر رائدة عالميًا ذات انتشار عالمي غير مسبوق.
تمكنت نتفليكس من إبرام اتفاقيتها مع WBD بحلول 5 ديسمبر، إذ بلغت قيمة الصفقة، التي لم تشمل قنوات الكابل، 27.75 دولار للسهم الواحد، أي ما يعادل 82.7 مليار دولار. رفض مجلس إدارة WBD عرض باراماونت النقدي بالكامل، والذي بلغ 30 دولارًا للسهم، للاستحواذ على الشركة بأكملها دون أي مفاوضات جوهرية، لكن عندما رفعت باراماونت عرضها إلى 31 دولارًا للسهم، أي ما يقارب 111 مليار دولار إجمالًا، لم يكن أمام WBD خيار سوى الموافقة.
أثارت احتمالية سعي عائلة إليسون لكسب ود الإدارة لكسب دعم وارنر بروس استنكارًا شديدًا من السيناتور إليزابيث وارين، الديمقراطية عن ولاية ماساتشوستس، إذ تُعارض وارين عمومًا عمليات اندماج الشركات الكبرى نظرًا لما قد تُسببه من ضرر للمستهلكين. لكن في هذه الحالة، انتقدت وارين الجوانب السياسية المحيطة بالجهات الفاعلة الرئيسية، قائلة إن اندماج باراماونت سكاي دانس ووارنر بروس كارثة في مجال مكافحة الاحتكار، تهدد بارتفاع الأسعار وتقليص الخيارات المتاحة للعائلات الأمريكية.
في المقابل تسود مخاوف في الولايات المتحدة بشأن النفوذ الإعلامي المتزايد لعائلة إليسون وعلاقاتهم بدونالد ترامب.
بينما خارج الولايات المتحدة، لا تكمن المشكلة في النفوذ السياسي، بل في القدرة على التفاوض، إذ تقول كلير بينز، الخبيرة السينمائية البريطانية المخضرمة، والتي نالت يوم الأحد الماضي جائزة بافتا تقديرًا لخدماتها في هذا المجال: "لطالما كانت باراماونت داعمة جدًا لفترات العرض الحصرية، لذا يُعد هذا الأمر إيجابيًا بالنسبة للعرض"، لكنّ ما يُقلقني بالدرجة الأولى هو عدد الأفلام ونوعيتها.. لقد كانت قائمة أفلام وارنر براذرز خلال الاثني عشر شهرًا الماضية رائعة - جميعها أفلامٌ مُبدعة، أصلية، وجريئة.. أنا قلقة للغاية بشأن الاندماج وتأثيره على نوعية الأفلام التي سنشاهدها".