الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

4 سنوات من الحرب في أوكرانيا.. خسائر هائلة وواقع ميداني معقد

  • مشاركة :
post-title
أربع سنوات كاملة على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

بعد مرور أربع سنوات على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، يكشف الواقع الميداني عن صورة أكثر تعقيدًا مما تروِّج له الأطراف المتصارعة، إذ تتباطأ وتيرة التقدم العسكري بشكل ملحوظ رغم الخسائر البشرية الهائلة، فيما تعيد الحرب تشكيل معالم النظام العالمي وطبيعة الصراعات الحديثة بصورة جذرية.

وخلّفت الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ فبراير 2022 خسائر بشرية هائلة، حيث قُدّر عدد الضحايا (قتلى، جرحى، ومفقودون) من الجانبين بنحو مليوني شخص بحلول أوائل عام 2026، وتجاوزت حصيلة القتلى الروس 325 ألفًا، بينما تشير تقديرات إلى مقتل حوالي 55 ألف جندي أوكراني، إلى جانب ملايين النازحين واللاجئين ودمار واسع في البنية التحتية.

خسائر بشرية هائلة

ووفقًا لتقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، بلغ إجمالي عدد الجنود القتلى والجرحى والمفقودين من كلا الجانبين نحو 1.8 مليون شخص.

ووثقت الأمم المتحدة مقتل 14 ألفًا و999 مدنيًا في أوكرانيا، مع توقعات بأن تكون الأعداد الفعلية أكبر بكثير. كما أُصيب أكثر من 40,600 مدني، وقُتل ما لا يقل عن 763 طفلًا. ويُصنف عام 2025 كأكثر الأعوام دموية بالنسبة للمدنيين، حيث سجلت نسبة الضحايا ارتفاعًا بنسبة 31%.

وأفادت تقارير معهد دراسات الحرب (ISW) بأن روسيا تسيطر حاليًا على 19.4% من مساحة أوكرانيا. وخلال العام المنصرم، لم يتمكن الجيش الروسي من السيطرة سوى على 0.79% إضافية من الأراضي، ما يعكس حالة من الجمود الميداني في جبهات القتال رغم التكاليف البشرية والعسكرية الباهظة، حيث كانت موسكو تسيطر على 7% فقط من الأراضي الأوكرانية قبيل بدء الهجوم الشامل في فبراير 2022.

5.9 مليون لاجئ

اضطر نحو 5.9 مليون مواطن أوكراني لمغادرة بلادهم، حيث استقر 5.3 مليون منهم في الدول الأوروبية. وبالإضافة إلى ذلك، هناك نحو 3.7 مليون نازح داخل الحدود الأوكرانية، حيث كان تعداد سكان أوكرانيا قبل الحرب يتجاوز 40 مليون نسمة.

تقدم بطيء وهجمات مضادة

كشفت صحيفة "ذا جارديان" البريطانية أن معدل التقدم على الأرض لا يتجاوز 70 مترًا يوميًا في منطقة بوكروفسك و23 مترًا فقط في كوبيانسك، وفقًا لبيانات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية.

وأوضحت الصحيفة أن إجمالي المكاسب الإقليمية التي حققها الجيش الروسي خلال عام 2025 بلغت حوالي 1,865 ميلًا مربعًا، أي ما يعادل 0.8% من مساحة أوكرانيا.

في المقابل، نجحت القوات الأوكرانية في شن هجوم مضاد شمال إقليم زابوريجيا، محققة مكاسب تُقدَّر بـ40 ميلًا مربعًا خلال الشهر الجاري، مستفيدة من الظروف الجوية الشتوية، ومن قرار شركة "ستارلينك" التابعة للملياردير الأمريكي إيلون ماسك، بمنع القوات الروسية من استخدام نظام الاتصالات الفضائية على الأراضي الأوكرانية.

وأشارت كريستينا هاروارد، من معهد دراسات الحرب الأمريكي، إلى أن "ما نشهده فعليًا هو عمليات عسكرية محدودة النطاق تنفذها القوات الأوكرانية".

أزمة إنسانية خانقة

تعيش أوكرانيا أزمة إنسانية حادة، إذ يعاني أكثر من مليون مواطن من انقطاع الكهرباء والتدفئة والمياه، في خضم شتاء قارس تنخفض فيه درجات الحرارة إلى 20 درجة تحت الصفر.

وذكرت "ذا جارديان" أن 2,600 مبنى في العاصمة كييف وحدها تفتقر إلى الكهرباء والتدفئة، مع تدني درجات الحرارة داخل الشقق السكنية إلى ما بين 5 و6 درجات مئوية.

ورغم تحسن الأحوال الجوية المتوقع قريبًا، إلا أن فشل الحلفاء الغربيين في تصنيع كميات كافية من صواريخ الدفاع الجوي يفاقم الأزمة.

وأظهر تحليل إحصائي من معهد العلوم والأمن الدولي أن نسبة الطائرات المُسيَّرة المسلحة من طراز "شاهد" التي تصيب أهدافها ارتفعت من 6% في يناير الماضي إلى 30% في مايو، واستقرت عند 29% في ديسمبر.

ثورة تكنولوجية قتالية

رصدت شبكة "سي إن إن" الأمريكية التطور الهائل في تقنيات الحرب على مدار 4 أعوام من الحرب، إذ تحولت ساحات القتال إلى مختبر عملاق للابتكار العسكري التكنولوجي.

وأوضحت الشبكة أن دورة الابتكار على خطوط المواجهة لا تتجاوز ستة أسابيع، وهي وتيرة غير مسبوقة في تاريخ الحروب الحديثة.

وأفادت تقارير إعلامية مؤخرًا باستخدام طائرات مُسيَّرة مزوَّدة بمستشعرات حركة تُحلِّق في ساحة المعركة وتنتظر مرور القوات المشاة قبل أن تنفجر.

من جانبه، أكد تيمور ساموسودوف، الذي يدير إحدى وحدات الطائرات المُسيّّرة ويطلق طائرات اعتراضية لمواجهة طائرات شاهد في مدينة أوديسا الجنوبية للشبكة، أن "استرخاء دقيقة واحدة مستحيل"، مشيرًا إلى أن ما ينجح اليوم لن يعمل الشهر المقبل.

وأكد أن الطرفين يستخدمان تقنيات متطورة تسبب خسائر كبيرة على الجانبين، رغم نقص المشاة الذي يؤثر على العمليات العسكرية.

تحولات الزعامات تحت وطأة الصراع

رصدت شبكة "سكاي نيوز" البريطانية، التغيرات الجذرية التي طرأت على قيادتي البلدين، إذ شهد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحولًا من رئيس قليل الخبرة يرتدي البدلات الرسمية إلى قائد عسكري نادرًا ما يظهر في غير الزي العسكري.

وعزز قراره بالبقاء في كييف وقيادة البلاد من العاصمة من مصداقيته، خاصة بعد مقولته الشهيرة لمسؤولين أمريكيين: "المعركة هنا، أحتاج ذخيرة وليس سيارة إجلاء".

يواصل زيلينسكي تقديم رسائل فيديو ليلية لإبلاغ شعبه وحشد الدعم، مع زيارات ميدانية لمدن الخطوط الأمامية.

وذكرت السيدة الأولى الأوكرانية أولينا زيلينسكا في عام 2023 أن زوجها أصبح "أكثر حساسية عاطفيًا" تجاه التواصل مع أسرته بعد انفصال قسري فرضته الحرب.

أما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فقد شهد أيضًا تحولات في أسلوب قيادته وظهوره العام.

واعترف بوتين، خلال مؤتمره الصحفي السنوي لعام 2024، بأن الصراع أثر عليه شخصيًا، مشيرًا إلى أنه "يمزح بشكل أقل ويكاد يتوقف عن الضحك"، وأن تركيزه انتقل نحو عودة جميع القوات من الجبهة.

وأشارت "سكاي نيوز" إلى أن بوتين حافظ على شعبيته داخليًا من خلال الخطاب الوطني ودعم الدولة، رغم التحديات الاقتصادية والضغوط الناجمة عن العقوبات.

انهيار النظام الدبلوماسي التقليدي

سلطت "سي إن إن" الضوء على الاضطراب الدبلوماسي العميق، إذ أدت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لتفكيك عقود من الأعراف الدبلوماسية.

ورغم الوعود بإنهاء الحرب خلال 24 ساعة، لم تسفر الجهود الأمريكية عن نتائج ملموسة حتى الآن، سوى بعض العقوبات على النفط، وهدنتين قصيرتين محدودتين للبنية التحتية للطاقة.

واعترف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في مؤتمر ميونخ الأمني، أن واشنطن "لا تعرف ما إذا كانت روسيا تريد السلام حقًا".

وانتهت أحدث جولات المحادثات الثلاثية في جنيف بعد ساعتين فقط دون إحراز تقدم علني، في حلقة مستمرة من الأماكن والأشكال وجداول الأعمال الجديدة لمحادثات السلام.

أوروبا بين التردد والحسابات المعقدة

أشارت "سي إن إن" إلى أن أوروبا تواجه معضلة حقيقية، إذ تقاوم الزعامات الوسطية في بريطانيا وفرنسا وألمانيا إنفاق نسبة أكبر من ميزانياتها المتوترة على الدفاع، كما أن التعهدات برفع ميزانيات الدفاع في الناتو إلى 5% من الدخل القومي مؤجلة لتسع سنوات من الآن، عندما لن يكون معظم القادة الحاليين في السلطة.

وعبّرت جيد ماكجلين، الباحثة في جامعة كينجز كوليدج، عن خشيتها من عدم وجود خطة موثوقة لدى حلفاء أوكرانيا لإجبار الأطراف على وقف إطلاق النار في صراع معقد.

وقالت أوريسيا لوتسيفيتش، خبيرة أوكرانيا في معهد تشاتام هاوس البريطاني: "السيناريو الأسوأ لم يحدث، فالولايات المتحدة لا تزال تبيع الأسلحة لأوكرانيا وتوفر المعلومات الاستخبارية".

إعادة تشكيل موازين القوى

أوضحت "سي إن إن" أن الولايات المتحدة تتراجع عن التزامات التفوق العالمي، إذ تسعى القوى الكبرى لتحقيق أجنداتها الخاصة، فالصين تمتنع عن تقديم دعم عسكري كافٍ لأي طرف، لكنها تشتري نفطًا روسيًا وتبيع معدات مزدوجة الاستخدام.

أما الهند، فواصلت شراء النفط الروسي بأسعار مخفضة لسنوات، وقد تكون الآن في طور التباطؤ بسبب صفقة تجارية أكبر مع الولايات المتحدة.

وتشير إستراتيجية الأمن القومي للبيت الأبيض إلى "قوى عظمى أخرى تفصلها محيطات شاسعة"، في إشارة لانحسار النفوذ الأمريكي العالمي، مع تحول واشنطن من السيادة العالمية إلى حقبة جديدة تكون فيها أهدافها محلية ومحدودة، وحلفاؤها منتقون وفق اعتبارات أيديولوجية.

واقع الحياة على الأرض

تبقى هذه التحولات العميقة ذات تأثير مباشر على حياة الملايين، إذ وصفت كاتيا، ضابطة الاستخبارات العسكرية التي التقتها سي إن إن، الموقف قائلة: "الحرب تصبح لعبة، لكن لا خيار سوى إدخال عملة أخرى ولعب جولة إضافية"، مشيرة إلى أن "الإرهاق هائل الآن".

أما يوليا التي كانت تعمل في فندق بمدينة كراماتورسك، فقد بقيت في المدينة رغم الظروف الصعبة.

وبعد أن كانت متفائلة، عادت من كييف لتجد طائرات مُسيَّرة تضرب السيارات والمباني السكنية بشكل متكرر.