في تحول لافت يعكس عمق الإحباط الأمريكي من فشل سياسة الضغوط تجاه طهران، نشر الرئيس دونالد ترامب مقطع فيديو من برنامج مقدم "فوكس نيوز" مارك ليفين، يشكك فيه بجدوى التفاوض مع إيران، بعد أسابيع من الحث على التوصل إلى اتفاق، وبينما تكشف تقييمات استخباراتية إسرائيلية عن محدودية القدرة العسكرية الأمريكية رغم الحشد الضخم في المنطقة، يجد ترامب نفسه محاصرًا بين خيارات محفوفة بالمخاطر، وهي إما انتزاع تنازلات من طهران تحت وطأة التهديدات، وإما الانجرار نحو مواجهة عسكرية لا يريدها في ظل غياب إستراتيجية واضحة ومعارضة داخلية متنامية.
قدرات عسكرية محدودة
كشفت المخابرات الإسرائيلية، في تقييم نقلته صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي، عن محدودية القدرة العسكرية الأمريكية رغم الحشد الهائل في المنطقة.
وأوضح المسؤول أنه حتى مع وصول حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد فورد" هذا الأسبوع، فإن الولايات المتحدة تملك القدرة العسكرية اللازمة لشن هجوم جوي مكثف لا يتجاوز أربعة إلى خمسة أيام فقط، أو أسبوع من الضربات منخفضة الكثافة.
ويأتي هذا التقييم في ظل أكبر حشد عسكري أمريكي في الشرق الأوسط منذ حرب العراق، إذ رُصدت حاملة الطائرات الثانية قبالة سواحل كريت في شرق المتوسط، إلى جانب ترسانة ضخمة من الأصول العسكرية المنتشرة على مقربة من الأراضي الإيرانية.
مأزق صنعه ترامب
يرى خبراء السياسة الخارجية أن الرئيس الأمريكي أوقع نفسه في فخ من صنعه، إذ قيّد خياراته بسلسلة من التعهدات والإجراءات التصعيدية. وقال آرون ديفيد ميلر، خبير الشرق الأوسط والمفاوض الأمريكي السابق، إن "الواقع أن الرئيس حاصر نفسه في زاوية ضيقة"، موضحًا أن ترامب قيّد نفسه بتعهده بمساعدة المحتجين الإيرانيين ونشر قوات عسكرية هائلة قرب طهران.
وأضاف ميلر أن نجاح واشنطن الأخير في إزاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من السلطة منح ترامب ثقة مفرطة بقدرته على تكرار السيناريو نفسه مع إيران، معلقًا: "وضع نفسه في موقف يجبره على خوض حرب لا يريدها، ما لم ينجح في انتزاع تنازلات كبيرة من الإيرانيين لتجنبها. هذه أزمة من صنعه".
غموض في الأهداف
تشير الصحيفة البريطانية إلى أنه ما بدأ كوعد بـ"إنقاذ" المحتجين الإيرانيين في ديسمبر الماضي، تحول إلى أداة ضغط، رغم أن دوافع ترامب الحقيقية تظل غامضة.
وأشارت روزماري كيلانيك، الباحثة في معهد "أولويات الدفاع" بواشنطن، إلى أن ترامب قدم خلال الشهرين الماضيين "قائمة متناوبة من المبررات" لضرب إيران، إذ تراوحت دوافعه المعلنة بين الحاجة إلى تفكيك برنامج نووي يزعم أنه "دمره بالفعل"، وتعطيل الميليشيات الموالية لإيران التي يقول مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون إنها أُضعِفَت بشدة أصلًا، وصولًا إلى استهداف الصواريخ الباليستية الإيرانية رغم عدم امتلاكها المدى اللازم للوصول إلى الأراضي الأمريكية.
في شهر يناير الماضي، كان المبرر المعلن عبر منصة "تروث سوشال" مجرد وعد للمحتجين بأن "المساعدة في الطريق".
وتساءلت كيلانيك: "هناك تساؤلات ضخمة حول السبب الحقيقي وراء إقدام الولايات المتحدة على هذا أساسًا".
دعوات لتغيير النظام
يدفع المتشددون في محيط ترامب، مثل مارك ليفين، باتجاه جعل الهدف النهائي هو تغيير النظام الإيراني، مؤكدين ضرورة التحرك الآن بينما تكون طهران "أضعف من أي وقت مضى".
وحثَّ ليفين في برنامجه على "فوكس نيوز"، الذي شارك ترامب مقطعًا منه عبر الإنترنت، الرئيس الأمريكي بالقول إن الولايات المتحدة لا يمكنها "ترك هذا النظام للجيل القادم"، مضيفًا: "هذا النظام يجب أن يُزال".
هذا الخطاب المتشدد يعكس التيار الذي يسعى لاستغلال اللحظة الراهنة، والتي يُنظر فيها إلى إيران كطرف ضعيف؛ لتحقيق تغيير جذري وليس مجرد تسوية مؤقتة.
مخاطر الانتقام الإيراني
رغم التصعيد السريع، يواجه ترامب مخاطر جسيمة قد تنجم عن شن ضربات جديدة أو خوض حرب شاملة ضد إيران، إذ حذر خبراء إقليميون ومسؤولون في الإدارة الأمريكية، الرئيس من أن طهران ستستهدف على الأرجح الأصول العسكرية الأمريكية والحلفاء والبنية التحتية للطاقة في المنطقة كردٍ انتقامي.
كما أن الخسائر الأمريكية المحتملة قد تثير ردود فعل سلبية داخليًا تجاه قاعدة ترامب الانتخابية، وبين الناخبين الأكثر حذرًا من الحرب، وذلك مقارنة بعدم التحرك تجاه إيران.
وأظهر استطلاع جديد أجرته جامعة ماريلاند أن ربع الجمهوريين يعارضون تدخلًا عسكريًا أمريكيًا في إيران في ظل الظروف الحالية، بينما يؤيده 40% فقط، فيما تعارضه الغالبية العظمى من الديمقراطيين.
وعلَّق ميلر قائلًا: "من يريد هذا؟ لا أحد يريد هذا. نحن نسير وكأننا نائمون نحو حرب، بحثًا عن إستراتيجية".