الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

بعد 4 سنوات.. نزيف الحرب يحول أوكرانيا لـ"وطن الأرامل"

  • مشاركة :
post-title
الضابطة الأوكرانية أولينا بيلوزيرسكا

القاهرة الإخبارية - مازن إسلام

في ظل الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة، تتفاقم أزمة ديموجرافية حادة تهدد مستقبل أوكرانيا، إذ تشهد كييف تراجعًا غير مسبوق في معدلات المواليد، وارتفاع أعداد القتلى، واستمرار موجات النزوح إلى الخارج، إلى جانب تأثيرات نفسية وصحية عميقة، طالت الرجال والنساء على حد سواء.

أزمة مواليد غير مسبوقة

تقول عالمة الديموجرافيا الأوكرانية البارزة إيلا ليبانوفا إن بلادها فقدت نحو 10 ملايين شخص منذ اندلاع الحرب، بين قتلى ونازحين ولاجئين ومقيمين في مناطق خاضعة لسيطرة روسية، واصفة الوضع بالـ"كارثة"، مؤكدة أن أي دولة لا يمكن أن تستمر دون سكان.

معدل الخصوبة في أوكرانيا انخفض إلى أقل من طفل واحد لكل امرأة، مقارنة بمتوسط 1.4 في أوروبا و1.6 في الولايات المتحدة، ما يضع البلاد بين الأسوأ عالميًا من حيث التراجع السكاني. ورغم أن انخفاض المواليد ظاهرة أوروبية عامة، فإن الحرب سرّعت الانهيار الديموجرافي بشكل حاد.

الحرب وتجميد الأحلام

من بين القصص التي تعكس هذا الواقع، قصة الضابطة الأوكرانية أولينا بيلوزيرسكا، التي كانت تخطط للإنجاب قبل اندلاع الحرب في شرق البلاد عام 2014، لكنها التحقت بالقتال مع زوجها وأجّلت الفكرة. وعندما أنهت خدمتها العسكرية في سن 41، أبلغها الأطباء أن فرصها في الحمل الطبيعي لا تتجاوز 0.5%.

لجأت بيلوزيرسكا إلى التلقيح الصناعي، وتمكن الأطباء من استخراج بويضة واحدة فقط، جرى تخصيبها وتجميدها في مركز متخصص بالعاصمة كييف. لكن مع بدء الحرب في 2022، عادت إلى الجبهة، بينما ظل الجنين مجمّدًا في بنك أجنة يضم نحو 10 آلاف جنين.

مدير مركز "نادييا" وتعني "الأمل" بالأوكرانية، الطبيب فاليري زوكين، قال إن الحرب أثرت بشدة على الخصوبة، موضحًا أن الفحوص الجينية أظهرت ارتفاعًا في التشوهات الكروموسومية وحالات الإجهاض، فضلًا عن تراجع جودة البويضات والحيوانات المنوية بسبب الضغوط النفسية وظروف القتال.

كما أشارت الطبيبة آلا بارانينكو إلى زيادة حالات انقطاع الطمث المبكر لدى نساء شابات، وتراجع جودة البويضات حتى لدى متبرعات لا يعانين من مشكلات صحية، إضافة إلى تدهور ملحوظ في جودة الحيوانات المنوية، خصوصًا لدى العائدين من الجبهات.

بعد ثلاث سنوات من الانتظار، عادت بيلوزيرسكا إلى كييف، وخضعت لزرع الجنين، وأنجبت طفلها "بافلو" وهي في السادسة والأربعين، معتبرة أنه "فرصة أخيرة" للأمومة.

وطن من الأرامل

الخسائر البشرية المتواصلة تركت آثارًا اجتماعية عميقة. ففي تقرير صادر في يناير الماضي عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن قدّر عدد القتلى الأوكرانيين منذ 2022 ما بين 100 و140 ألف شخص.

وبسبب ارتفاع متوسط عمر المجندين، الذي يبلغ نحو 43 عامًا، فإن كثيرًا من القتلى متزوجون ولديهم أطفال، ما أدى إلى تزايد أعداد الأرامل والأيتام. وتشير إحصاءات رسمية إلى وجود نحو 59 ألف طفل يعيشون دون والديهم البيولوجيين، أغلبهم في أسر حاضنة.

من بين هؤلاء، إيرينا إيفانوفا، التي فقدت زوجها الطيار المقاتل في أبريل 2025، قبل أن يتمكن من معرفة أنها حامل. وعندما أنجبت طفلتها في ديسمبر، منحتها الاسم الذي كانا قد اختاراه معًا. تصف مشاعرها بأنها مزيج من "أقصى الفرح وأقصى الألم" في آن واحد.

كما أسست أوكسانا بوركون، التي فقدت زوجها في معارك باخموت عام 2022، مجموعة دعم إلكترونية تضم أكثر من 6 آلاف أرملة، وتنظم لقاءات وفعاليات لدعم أسر القتلى، بينها مبادرة لتقديم هدايا شهرية لأطفال الجنود.

نزيف سكاني

إلى جانب الخسائر البشرية، فرّ نحو 6 ملايين أوكراني إلى الخارج منذ 2022، معظمهم من النساء والأطفال، ولا يزال أغلبهم مقيمًا في دول أخرى. وتحذر ليبانوفا من أن طول أمد الحرب يقلل فرص عودتهم، ما يشكل نزيفًا بشريًا واقتصاديًا خطيرًا.

وتؤكد أن إعادة إعمار الاقتصاد والبنية التحتية ستتطلب عمالة ماهرة، محذرة من أن نقص الكفاءات قد يضطر البلاد إلى استقدام عمالة أجنبية، في وقت قد لا يكون فيه الإقبال الدولي كبيرًا.

مستقبل على المحك

ترى بعض الناشطات أن تمكين الأرامل الشابات ودمجهن في المجتمع قد يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي بعد انتهاء الحرب. فالكثير منهن، بحسب قولهن، يدركن ثمن الفقد، ويشعرن بمسؤولية تجاه مستقبل البلاد.

ومع استمرار القتال، وتراجع المواليد، واتساع رقعة النزوح، تواجه أوكرانيا تحديًا وجوديًا يتجاوز ساحة المعركة، ليطال بنيتها السكانية والاجتماعية. فالأزمة لم تعد عسكرية فحسب، بل ديموجرافية أيضًا، ما يضع مستقبل الدولة على المحك في السنوات المقبلة.