في خطوة غير مسبوقة منذ اعتزالها الحياة السياسية قبل أربع سنوات، قررت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، حضور مؤتمر الاتحاد الديمقراطي المسيحي في شتوتجارت، لتعيد بذلك تحريك المياه الراكدة في المشهد السياسي الألماني، وسط تكهنات متصاعدة حول دوافعها الحقيقية ومستقبلها السياسي.
عودة صامتة
كشفت صحيفة "لوموند" الفرنسية، أن ميركل البالغة من العمر 71 عامًا، ستشارك في مؤتمر حزبها السابق المنعقد يومي 20 و21 فبراير الجاري، في أول حضور لها لفعالية حزبية منذ مغادرتها منصب المستشارية عام 2021.
وتشير الصحيفة الفرنسية إلى أن اللافت في الأمر أن المستشارة السابقة لن تلقي أي كلمة، بل ستكتفي بالحضور حتى لحظة إعادة انتخاب فريدريش ميرز، المستشار الحالي ومنافسها السابق، لرئاسة الحزب الذي قادته هي بنفسها لمدة 18 عامًا من 2000 إلى 2018.
وأوضحت "لوموند" أن هذا الصمت المدروس زاد من حدة الاهتمام والتحليلات في الأوساط السياسية الألمانية، خاصة أن ميركل ظلت بعيدة تمامًا عن الأضواء منذ تركها السلطة، وفي حين اعتبر البعض حضورها إشارة دعم لميرز الذي تشير بعض استطلاعات الرأي إلى أن شعبيته أقل حتى من سلفه الاشتراكي الديمقراطي أولاف شولتس، الذي حكم البلاد بين 2021 و2025، يرى آخرون أنها رسالة سياسية أعمق في ظل التحديات التي يواجهها المستشار الحالي.
حزب منقسم
أشارت "لوموند" إلى أن ظهور ميركل أحرج الجناح المحافظ داخل الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الذي يحمّلها مسؤولية انتهاج سياسات وسطية خالية من الإصلاحات الكبرى، ويعتبرها سببًا في العديد من مشكلات ألمانيا الراهنة.
وفي السياق ذاته، علقت الباحثة السياسية جوليا رويشنباخ، في تصريحات نقلتها الصحيفة، قائلة: "لا أعرف إن كانت تريد التصالح مع ميرز بطريقة ما، أم أنها ترى الوضع خطيرًا لدرجة تستوجب حضورها الشخصي"، مضيفة أن مجرد طرح هذه التساؤلات يكشف أن "الحزب لم يستقر بعد بين من يريدون سياسة أكثر وسطية تجسدها ميركل، وبين من يدعون لخط محافظ أكثر صرامة يتبناه ميرز".
ويواجه ميرز تحديات كبيرة خلال العام الجاري، إذ تنتظر ألمانيا خمسة انتخابات محلية في 2026، يُتوقع أن يحقق اليمين المتطرف نتائج قوية في اثنتين منها على الأقل، بحسب ما أشارت إليه صحيفة "لوموند" الفرنسية.
ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه المستشار الحالي من خلافات داخل تحالفه الحكومي مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إضافة إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد.
تكهنات الرئاسة
أثار الحضور المفاجئ لميركل موجة من التكهنات حول احتمال ترشحها لمنصب رئيس الجمهورية الاتحالية عند انتهاء ولاية فرانك-فالتر شتاينماير الاشتراكي الديمقراطي عام 2027.
وبحسب "لوموند"، رغم أن محيط ميركل وصف هذه الفرضية بـ"السخيفة"، أبدى بعض النواب المحافظين تأييدهم لها، إضافة إلى جزء من حزب الخضر، حسبما أوردت الصحافة الألمانية، علمًا بأن التقاليد في ألمانيا لا تشجع على السعي للرئاسة بعد شغل منصب المستشارية.
وكشفت الصحيفة الفرنسية، أن صدور مذكرات ميركل بعنوان "الحرية" نهاية 2024 دفعها لمضاعفة ظهورها العلني والتعبير عن آرائها بانتظام، إذ أنه خلف تحفظها الظاهري، وتمرر المستشارة السابقة رسائل سياسية واضحة تستهدف بشكل خاص سياسات ميرز، إذ أخذت مسافة من تشديد سياسة الهجرة التي تبناها ميرز صراحة للقطع مع إرثها في هذا المجال.
كما انتقدت موافقة الاتحاد الديمقراطي المسيحي على تمرير مقترح حول الهجرة بأصوات حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتشدد مطلع 2025، وأبدت أسفها لاختيار ميرز دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، للاحتفال بذكرى إعادة التوحيد الألمانية بدلًا من شخصية من ألمانيا الشرقية السابقة.
شعبية لا تتزعزع
وأوردت "لوموند" أن كل تدخل لميركل يُحيي في المقابل الانتقادات الموجهة لتاريخها، سواء داخل الاتحاد الديمقراطي المسيحي أو خارجه، فبوصفها مدافعة شرسة عن خط أنابيب "نورد ستريم 2"، تُحمّل مسؤولية زيادة اعتماد ألمانيا على الطاقة الروسية، ما وضع البلاد في موقف هش منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
كما يُتهم خيارها استقبال اللاجئين عامي 2015-2016، بأنه مهّد الطريق أمام اليمين المتشدد، الذي يحتل اليوم ربع مقاعد البوندستاج.
ويلومها البعض أيضًا على عدم توقعها للأزمة التي تهز النموذج الاقتصادي الألماني القائم على التصدير للصين والولايات المتحدة، الذي تضرر بشدة من الحرب التجارية.
لكن رغم كل هذه الانتقادات، أكدت الصحيفة الفرنسية، أن شعبية ميركل لم تتأثر، فهي لا تزال مرتبطة في الذاكرة الجماعية بحقبة من الرخاء الكبير لألمانيا ورمزًا لحياة سياسية أقل استقطابًا.
وحققت مذكراتها نجاحًا تجاريًا كبيرًا في المكتبات، بينما يثير كل ظهور لها حشودًا غفيرة تتوافد لرؤيتها.