في عالم الدراما التلفزيونية، لا تولد مشاهد المعارك من فراغ، بل تبنى بعناية شديدة وفق تفاصيل دقيقة ومدروسة، حتى تتحول الحركة إلى لغة موازية للنص، وتغدو الضربة جملة درامية مكتملة الأركان، ومن خلف هذا العالم الحركي يقف مصمم المعارك المصري محمود طاحون، الذي ينسج مشاهد الأكشن بخبرة تمتد لسنوات، واضعًا نصب عينيه أن تخدم كل حركة مسار الحكاية قبل أن تخطف أنظار المشاهدين.
هذا النهج كان حاضرًا بقوة في مشاهد مسلسل "علي كلاي" بطولة أحمد العوضي، والذي يظهر خلاله بشخصية لاعب في رياضة الفنون القتالية المختلطة.
من النص إلى الحركة
يؤكد "طاحون"، لموقع "القاهرة الإخبارية"، أن العمل على أي مشهد أكشن يبدأ من قراءة متأنية للسيناريو، تعقبها جلسات مطولة لمناقشة التفاصيل الدقيقة، ورسم الحركة بما يتناسب مع طبيعة الشخصية والسياق الدرامي في آن واحد.
ويشدد على أن الأكشن -من وجهة نظره- ليس استعراضًا منفصلًا عن الحدث، بل امتداد طبيعي لبناء الشخصية وتصاعد الأحداث، لتعكس كل ضربة وحركة الحالة النفسية والدوافع الدرامية للشخصية.
طبيعة قتال مختلفة
وعن خصوصية مسلسل "علي كلاي"، يوضح طاحون أن البطل لا يقدم ملاكمة تقليدية، بل يجسد شخصية تمارس رياضة الفنون القتالية المختلطة (MMA)، وهو ما يفرض طبيعة مختلفة تمامًا لمشاهد القتال، فالمواجهات -كما يشير- ليست ذات طابع شعبي أو عشوائي، بل تعتمد على أسلوب رياضي منضبط، حتى في مشاهد الاشتباكات خارج الحلبة، حيث يظهر الطابع الاحترافي في الأداء والحركة.
ويضيف أن التعاون مع أحمد العوضي كان سلسًا، ولم يشكل عبئًا يذكر، خاصة في ظل قدرة العوضي على الاستيعاب السريع والتنفيذ الدقيق، فضلًا عن اهتمامه الشخصي بالرياضة وتعامله الجيد مع متطلبات الأداء الحركي.
بروفات مكثفة
يكشف "طاحون" أن أجواء العمل سارت بسلاسة، دون تسجيل إصابات تذكر، بفضل البروفات المكثفة التي تسبق التصوير، موضحًا أن دوره العملي ينتهي في الغالب عند مرحلة التدريبات المكثفة، مع حضوره يوم التصوير للتأكد من تنفيذ المشاهد بالشكل المتفق عليه، وضبط الإيقاع الحركي بما يتماشى مع الرؤية الإخراجية.
تصميم مشاهد الأكشن
وعن آلية تصميم مشاهد الأكشن، يبين أن مخرج الأكشن يتلقى الرؤية العامة من مخرج العمل، ثم يتولى هو وضع تصور الضربات وزواياها وتفاصيلها الدقيقة، وهو ما يخفف العبء عن مخرج العمل ويضمن الوصول إلى النتيجة النهائية المطلوبة.
ويؤكد أن رسم أي شخصية قتالية يرتكز على أربعة أسئلة أساسية: ما الخلفية الاجتماعية والمهنية للشخصية؟ ما أسلوبها في القتال؟ ما سبب المعركة؟ وكيف تتطور المواجهة من بدايتها إلى نهايتها؟ فلكل شخصية بصمتها الخاصة، والملاكم يختلف في حركته وإيقاعه عن رجل العصابات أو الضابط أو البلطجي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على طبيعة الحركة وتفاصيلها.
تعاون متجدد
ويعد "علي كلاي" التجربة التاسعة التي تجمع طاحون بأحمد العوضي منذ عام 2016 وحتى 2026، مشيرًا إلى أن لكل عمل روحه الخاصة، فشخصية "الإسكندراني" -على سبيل المثال- كانت تمارس رياضة مختلفة تمامًا عن "علي كلاي"، مؤكدًا أنه لا توجد ضربة مكررة بين العملين ويرجع سر استمرار التعاون إلى حرص العوضي الدائم على التجديد، إضافة إلى ذاكرته الحركية الجيدة التي تمنع تكرار الأداء أو الحركات.
ويشدد طاحون على أنه لا يفضل الاستعانة بدوبلير (بديل للمشاهد الخطرة)، إذ يحرص على أن يؤدي الممثل مشاهده بنفسه قدر الإمكان، مستشهدًا بتجارب سابقة قدم خلالها ممثلون مشاهد أكشن بأنفسهم بنجاح، ويرى أن ضبط زوايا التصوير والإضاءة يمكن أن يُظهر أي ممثل بصورة مقاتل محترف، إذا ما تم توظيف الأدوات الفنية بالشكل الصحيح.
ويعترف بأن القلق يتسلل إليه أحيانًا في المشاهد التي تجمع ممثلين في اشتباك مباشر، وإن لم يحدث ذلك في "علي كلاي"، لكنه واجهه في أعمال أخرى.
وأوضح أن أداء شخصية تمارس رياضة قتالية يسهّل المهمة، بينما يتطلب الأمر تحضيرات مكثفة وتدريبات خاصة عندما يكون الممثل بعيدًا عن الخلفية الرياضية، لضبط الإيقاع الحركي وتفادي الإصابات.
خداع بصري وأمان كامل
ويختتم طاحون حديثه بالتأكيد على أن مشاهد الأكشن لا تتضمن ضربات حقيقية، بل تعتمد على زوايا الكاميرا والخداع البصري، مع تطبيق أعلى معايير الأمان.
وكشف مصمم المعارك أن أحمد العوضي لم يتعرض لأي إصابات خلال التصوير، باستثناء حالة إجهاد عصبي شديد في أحد الأيام التي شهدت تصوير أربع مباريات متتالية، بمشاركة مقاتلين محترفين حقيقيين، بهدف تقديم مشاهد قتال واقعية ومقنعة أمام الكاميرا.