في تطور غير مسبوق منذ قرابة أربعة قرون، ألقت الشرطة البريطانية القبض على أندرو ماونتباتن-وندسور، شقيق الملك تشارلز الثالث، في حادثة وصفتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية بأنها أخطر تهديد لسلطة العائلة الملكية منذ أكثر من جيل.
هذا هو أول اعتقال لعضو ملكي بريطاني منذ احتجاز ومحاكمة الملك تشارلز الأول بتهمة الخيانة في يناير 1649، بحسب "نيويورك تايمز".
تسريب معلومات سرية واستغلال النفوذ
كشفت صحيفة "ديلي تليجراف" البريطانية أن التحقيقات تركز على احتمال ارتكاب الأمير السابق سوء سلوك في منصبه العام كمبعوث تجاري بريطاني بين عامي 2001 و2011، إذ يُشتبه في تسريبه معلومات حكومية سرية حصل عليها من خلال دوره الرسمي إلى جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية، وآخرين.
وأوضحت "نيويورك تايمز" أن هذا الاعتقال لا يركز على اتهامات الاعتداء الجنسي التي وُجهت إليه من قبل فيرجينيا جيوفري، التي اتهمته بإجبارها على ممارسة الجنس معه عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها، وهي الاتهامات التي نفاها الأمير دائمًا.
وفقًا لـ"ذا تليجراف"، تظهر رسائل بريد إلكتروني كشفتها ملفات إبستين المفرج عنها مؤخرًا أن ديفيد سترن، المستشار التجاري الأقرب للأمير السابق والصديق المقرب لإبستين، أبرم عقدًا سريًا مع وزارة حكومية صينية مركزية عام 2013 بعد تباهيه بامتلاكه "وصولًا قويًا" إلى شخصيات رفيعة في بكين.
وتضمنت الصفقة خططًا لبناء عشرات مراكز البيانات في جميع أنحاء الصين، كما كشفت أدلة تشير إلى أن الأمير السابق ربما ساعد سترن في إبرام صفقة تجارية بقيمة 20 مليون جنيه استرليني مع شركة عقارات صينية كبرى بعد استضافة مسؤوليها التنفيذيين في مكتبه بقصر باكنجهام.
ونقلت "ذا تليجراف" نصوص رسائل إلكترونية متبادلة بين سترن وإبستين تكشف تخطيطهما لاستخدام "هالة ووصول" الأمير التي بناها خلال دوره كمبعوى تجاري لتعزيز أعمالهما في الصين.
وفي رسالة من سترن إلى إبستين عام 2010، اقترح إنشاء مكتب استثماري في لندن مع فرع في بكين يستهدف الأثرياء الصينيين، مضيفًا: "نجعل الأمير جزءًا منه بشكل سري للغاية ونستخدم هالته ووصوله"، وهو منصب حكومي يتطلب من شاغله العمل لمصلحة الشعب البريطاني.
موقف ملكي حاسم
في خطوة حاسمة، أصدر الملك تشارلز الثالث بيانًا موجهًا للشعب البريطاني تعهد فيه بعدم التدخل في نظام العدالة الجنائية، حسبما نقلت "نيويورك تايمز".
وقال الملك: "ما يتبع الآن هو العملية الكاملة والعادلة التي يتم من خلالها التحقيق في هذه القضية بالطريقة المناسبة، وفي هذا لديهم دعمنا وتعاوننا الكاملين".
وكان الملك تصرف بحزم في أكتوبر الماضي بتجريد شقيقه من ألقابه الملكية ومقر إقامته الملكي، بعد أن كشفت مذكرات جيوفري تفاصيل جديدة عن اتهاماتها.
وعلق المؤرخ البريطاني إد أوينز لـ"نيويورك تايمز": "العائلة الملكية لم تكن شفافة ولم تكن صريحة، واستمرت الأسرار، وهذا الافتقار إلى الشفافية هو القوة الدافعة للمشكلة الأخلاقية في قلب هذه الفوضى للملكية".
ونقلت الصحيفة عن عائلة جيوفري، التي انتحرت العام الماضي، بيانًا بدأ بـ"أخيرًا".
انقسام أمريكي حول المحاسبة
في تباين صارخ مع الموقف البريطاني الحاسم، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعاطفًا مع الأمير السابق، قائلًا من طائرته الرئاسية وفق "ذا تليجراف": "أعتقد أن هذا عار وأمر محزن للغاية وسيء جدًا للعائلة الملكية".
وأشارت الصحيفة إلى أن هذا التباين يكشف كيف أن المؤسسة البريطانية تعاملت بحزم مع ملفات إبستين، بينما أغلقت الولايات المتحدة صفوفها حول المتورطين الأمريكيين.
وأوضحت "ذا تليجراف" أن نوابًا ديمقراطيين وجمهوريين في واشنطن يأملون أن يكون الأمير السابق أندرو أول حجر دومينو يسقط، ويمارسون ضغوطًا على وزارة العدل الأمريكية لمحاكمة شركاء إبستين.
وقال النائب الديمقراطي رو خانا متسائلًا: "لماذا لا يتم عمل المزيد هنا؟".
كما كتبت النائبة الجمهورية نانسي ميس: "المملكة المتحدة قامت رسميًا بأكثر مما فعلته حكومتنا لمحاكمة مفترسي إبستين، إنه أمر مخزٍ، من التالي؟"،إلا أن ترامب أحاط وزير التجارة هوارد لوتنيك بالحماية رغم اتهامات "خانا" له بالكذب حول اتصالاته بإبستين.