كشفت صحيفة "ساوث تشاينا مورنينج بوست" تشديد الصين القيود المفروضة على المسؤولين الذين يقيم أفراد من عائلاتهم خارج البلاد، وذلك ضمن سياق أوسع من حملة مكافحة الفساد المستمرة منذ أكثر من عقد.
وبحسب ثلاثة مصادر مطلعة، بدأت منذ أوائل العام الماضي عمليات تفتيش داخل الهيئات الحكومية والشركات المملوكة للدولة، استهدفت التدقيق في العلاقات الخارجية لكبار المسؤولين والمديرين التنفيذيين.
مراقبة أكثر صرامة
سبق وركّزت هذه العمليات على ما يعرف بـ"المسؤولين العراة" -وهم أولئك الذين يعيش أزواجهم وأطفالهم في الخارج- وهي فئة لطالما خضعت لرقابة مشددة من قبل الأجهزة التأديبية.
إلا أن نطاق التفتيش توسع أخيرًا ليشمل فئة جديدة تعرف باسم "المسؤولين شبه العراة"، أي الذين يعيش أبناؤهم في الخارج بينما تبقى زوجاتهم أو أزواجهم داخل الصين.
ووفقًا لمصدر مطلع في الحزب الشيوعي الصيني، فإن هذه الفئة باتت تخضع لمراقبة أكثر صرامة، مع إلزامها بالإبلاغ المنتظم عن أي معلومات ذات صلة بروابطها الخارجية.
وأفاد مصدر مقيم في بكين أن إدارة التنظيم المركزي، وهي أعلى هيئة معنية بشؤون الكوادر في الحزب الشيوعي، أجرت مسحًا وطنيًا في النصف الأول من العام الماضي للبحث في علاقات المسؤولين الخارجية، خصوصًا أولئك الذين يشغلون مناصب حساسة.
وأكد مصدر مطلع على شؤون التوظيف الحزبي أن هذه الاستطلاعات لا تعني بالضرورة وجود مخالفات، بل تهدف إلى تقييم المخاطر المحتملة. وأضاف: "إذا كانت للمسؤول علاقات واسعة في الخارج، فإن احتمالات التعرض للاختراق أو الفساد قد تكون أعلى، ولذلك غالبًا ما يُنقل إلى موقع أقل حساسية.
مكافحة الفساد
يتزامن هذا التشديد مع استمرار الرئيس الصيني شي جين بينج في تعزيز حملته الواسعة ضد الفساد، التي طالت مؤسسات حكومية وشركات مملوكة للدولة وحتى الجيش. وأعلنت اللجنة المركزية لفحص الانضباط، وهي أعلى هيئة رقابية في البلاد، عن رقم قياسي بلغ 63 مسؤولًا رفيع المستوى خضعوا للتحقيق بتهم فساد خلال العام الماضي.
كانت وثيقة صادرة عام 2014 عن إدارة التنظيم المركزي قد نصت صراحة على منع "المسؤولين العراة" من الترقية أو تولي مناصب قيادية في أجهزة الدولة أو الحزب أو الجيش أو الشركات الحكومية. كما يُطلب من جميع المسؤولين الإفصاح بانتظام عن أصولهم وروابطهم العائلية خارج البر الرئيسي.
غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى تراجع مستوى التسامح الرسمي تجاه الروابط الخارجية، إذ فقد بعض المسؤولين فرص الترقية أو أُقيلوا من مناصبهم بسبب إقامة أفراد أسرهم في الخارج، أو بسبب إخفائهم معلومات ذات صلة.
ووصف أحد المطلعين على التغييرات القيود الجديدة بأنها جزء من "الصورة الأوسع لحملة مكافحة الفساد"، موضحًا أن أفراد عائلات المسؤولين الفاسدين المقيمين في الخارج غالبًا ما يشكّلون قناة لنقل الأموال المختلسة خارج البلاد.
وقال: "الفساد غالبًا ما يكون سلسلة مترابطة. بمجرد أن يحصل المسؤول على المال، يجب إنفاقه أو تحويله. أحيانًا يتم تحويل الأموال -أو حتى الأشخاص المتورطين- إلى الخارج، ما يشكل حلقة أساسية في سلسلة الاحتيال. نحن الآن نستهدف هذا الجزء من العملية بصرامة أكبر".
مخاوف من تسريب الكفاءات
في الأشهر الأخيرة، أقيل مدير بارز في شركة تأمين حكومية بعد أن تبيّن أن ابنه يقيم في الولايات المتحدة ويحمل البطاقة الخضراء. كما تم عزل مدير في معهد تابع لإحدى الوزارات بعد اكتشاف أنه أخفى حصول ابنه على إقامة دائمة أمريكية.
وفي السياق ذاته، أشار مصدر حزبي إلى أن التعاون القضائي عبر الحدود بين الصين والولايات المتحدة أصبح أكثر تعقيدًا في ظل تصاعد التنافس بين بكين وواشنطن، ما يزيد من حساسية ملف الهاربين وتحويل الأموال.
وعلى مدى العقد الماضي، وسعت بكين قيود السفر الخارجي لتشمل فئات متعددة من موظفي الدولة، من مسؤولين تنفيذيين إلى متعاقدين وموظفي مؤسسات عامة. وفي بعض المقاطعات الجنوبية، بات يطلب من الموظفين تسليم جوازات سفرهم والحصول على موافقات مسبقة على أي سفر خارجي، حتى لسنوات بعد التقاعد.