أثارت الرسالة التي وقّعها أكثر من 80 مشاركًا حاليًا وسابقًا في مهرجان برلين السينمائي الدولي، وأدانوا فيها ما وصفوه بالصمت حيال الصراع في غزة و"تضييق الخناق" على الفنانين الذين رفعوا أصواتهم، ردود فعل واسعة، ما دفع تريشيا تاتل، مديرة مهرجان برلين السينمائي للخروج عن صمتها لأول مرة والحديث حول قضية فلسطين، إذ قالت إن المهرجان يدرك عمق الغضب والإحباط إزاء معاناة سكان غزة، والحاجة المُلحة التي يشعر بها الناس للتعبير عن آرائهم وإسماع أصواتهم".
كان الموقّعون اتهموا المهرجان بـ"فرض رقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة، ودور الدولة الألمانية المحوري في تمكينها"، وهو ما نفته مديرة المهرجان قائلة: "نرفض بشدة نشر المعلومات المضللة والادعاءات غير الدقيقة حول مهرجان برلين السينمائي، والتي لا تستند إلى أي دليل، وهي ادعاءات مجهولة المصدر، مؤكدة مجددًا استقلالية المهرجان عن الحكومة الألمانية في القرارات الفنية والبرمجية، كما هو موضح على موقعه الإلكتروني".
سمعتنا في خطر
أوضحت تريشيا تاتل خلال حديثها مع مجلة "سكرين" لمعرفة ردها على الرسالة، وللتعرف على تأثير الجدل الدائر حول الخطاب السياسي على المهرجان، إذ قالت نُدرك مصدر هذا الغضب والإحباط العميقين إزاء معاناة شعب غزة، وشعور الناس بضرورة التعبير عن آرائهم وإسماع أصواتهم، نتفهم ذلك تمامًا، كما نرفض بشدة نشر المعلومات المضللة؛ فالادعاءات غير الدقيقة حول مهرجان برلين السينمائي الدولي التي تفتقر إلى الأدلة أو تأتي من مصادر مجهولة، ونرفضها رفضًا قاطعًا، ونعتقد أن الاختلاف حق مشروع، لكن نشر المعلومات المضللة أمر خطير فهو يُلحق الضرر بالمهرجان وبالكثيرين ممن يعملون بجد لضمان توفير منصة للأفلام، آمنة وعادلة تعكس وجهات نظر متنوعة حول العالم.
وتابعت: إن كون هذه المعلومات صادرة عن حملة مجهولة المصدر أمرٌ مُقلق، ولا نتفق مع الصورة العامة التي تُطرح، فنحن نبذل قصارى جهدنا لرعاية صُنّاع الأفلام لدينا؛ وعلى استعداد دائم للحوار، لذا نرفض الادعاء بأن مُبرمجينا قد روّعوا صُنّاع الأفلام أو أسكتوهم، ولطالما سعينا إلى إنشاء منصة تتيح حوارًا نزيهًا وحضاريًا، كما نرغب في دعم من يرغبون في استخدام منصاتهم للتعبير عن آرائهم حول القضايا التي تهمهم، بما في ذلك من يتحدثون عن العنف المستمر ضد شعب غزة، وعن فشل السياسة والدبلوماسية في معالجته.
وأضافت: ليس كل شخص يرغب في الحديث عن هذه القضية، مهما كانت خطورتها على حياتهم، بعض الناس يرغبون في حضور المهرجان لأسباب أخرى، لذا يجب أن يوفر المهرجان مساحة لصناع الأفلام للتحدث عن أعمالهم، دون أن يكونوا هم محور القصة، ومن الواضح أن هذا لم ينجح مع حملة النشطاء الذين يريدوننا أن نقول ما يريدونه، وأي شيء أقل من ذلك سيؤدي إلى استمرار المضايقات والتضليل، ونحن بصدد التواصل مع بعض معارفنا ممن وقعوا على الرسالة، للتأكد من فهمهم التام لما وقعوا عليه، وأن ما وقعوا عليه غير عادل وغير دقيق.
تشير تريشا تاتل إلى أنها تتفهم دوافع الموقعين على الرسالة للتعبير عن آرائهم، إذ قالت: ندرك قوة مشاعرهم إنهم يعرفوننا جيدًا، فنحن مهرجانٌ عريقٌ عمره 76 عامًا، لطالما دافعنا عن الشمولية، وتعدد وجهات النظر، والتفاهم، لذا نرغب في حوارٍ بنّاءٍ بدلًا من بياناتٍ مبنيةٍ على معلوماتٍ مغلوطة، لذا أقول لهم تواصلوا معنا هاتفيًا، واطرحوا علينا أسئلةً جوهرية، وتأكدوا من رضاكم عن إجاباتنا لكن ليس من العدل نشر معلوماتٍ مغلوطةٍ أو أنصاف حقائق، وعرضها بطريقةٍ تضرّ بهذه المنصة والمنظومة التي نعتمد عليها جميعًا.
معاداة السامية
تؤكد مديرة المهرجان أنه صدر بالفعل العديد من البيانات حول موقفهم من حرية التعبير، وهي جميعها متاحة، قائلة: "نحن ندعم حرية التعبير في حدود القانون الألماني، نحن نمثّل الكثير من الأشخاص ذوي الآراء المختلفة، بمن فيهم العديد من المقيمين في ألمانيا الذين يرغبون في فهم أعمق لموقف إسرائيل مما هو عليه الحال في بقية العالم، حيث يشهد هذا الموقف تحولًا ملحوظًا؛ إذ يدرك الناس أن التزام القانون الألماني بأمن إسرائيل، المتجذر في المسؤولية التاريخية عن المحرقة، قد يعيقنا عن إجراء حوارات هامة حول الحكومة الحالية في إسرائيل الأمر معقد، وهذا أحد الأسباب التي تدفعنا إلى إتاحة المجال لهذا التعقيد".
وحول مدى تأثير هذا الأمر على استعداد المواهب البارزة لحضور مهرجان برلين السينمائي الدولي مستقبلًا قالت: "علينا الانتظار لنرى، يجب أن نتجاوز هذه المرحلة، وآمل أن يُدرك الناس ذلك ويدافعوا عنا، إنها مرحلة صعبة الآن؛ علينا أن نتجاوزها قبل أن أُجزم بشيء، لكن ما يحدث ليس في مصلحة المهرجان على الإطلاق، وأحث جميع الزملاء العاملين في صناعة السينما على التفكير مليًا في الادعاءات والتحقق مما إذا كانوا يعتقدون بوجود أدلة كافية لنشر المزاعم الموجهة ضد مهرجان برلين السينمائي الدولي، قبل مشاركتها".
أضافت: "عندما تنشر رسالة مفتوحة، فإنك تتحمل مسؤولية كبيرة -فأنت تُعلن أنك تعتقد أن هذه الادعاءات التي تُوجهها ضد مؤسسة ما قابلة للدعم ومبنية على أدلة".
إنه أمر صعب للغاية عليّ أنا والفريق، لقد بذلنا جهدًا كبيرًا خلال العامين الماضيين لحماية صنّاع الأفلام وفريقنا، وهذا العمل الرائع من صناع الأفلام لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه.
تابعت: "قضينا وقتًا طويلًا في عامي الأول في فضح المعلومات المضللة والمفاهيم الخاطئة التي كانت ترد من مصادر أخرى حول معاداة السامية في المهرجان، وصدر قرار بشأن معاداة السامية في البوندستاج "البرلمان الاتحادي في جمهورية ألمانيا الاتحادية"، ولم نقبله قط، بل رفضناه علنًا باعتباره تحريفًا غير عادل للخطاب في مهرجان برلين السينمائي لم نقف مكتوفي الأيدي ونقبل تصنيف أي نقد مشروع لسياسة الدولة على أنه معاداة للسامية لقد وفرنا مساحةً للناس للتعبير عن آرائهم، وهذا ما يُنسى الآن".