اتفقت الولايات المتحدة وأوكرانيا وعدد من الدول الأوروبية على صيغة ضمانات أمنية شبيهة بحلف شمال الأطلسي لمستقبل أمن أوكرانيا، وفق ما قاله مسؤولان أمريكيان اليوم الاثنين، في إطار مساعٍ لإعداد مقترح سلام معدل يهدف إلى ردع أي عدوان روسي مستقبلي، وفي الوقت نفسه محاولة جعله مقبولًا من جانب موسكو.
جاء هذا التقدم بعد يومين من المحادثات المكثفة في برلين، حيث قال المسؤولان الأمريكيان للصحفيين إن الأطراف نجحت في تسوية أو تقليص الخلافات حول 90٪ من بنود مسودة اتفاق مكوّن من 20 نقطة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، غير أن مسألة ترسيم الحدود الجديدة بين أوكرانيا وروسيا في إقليم دونباس، حيث لا تزال المعارك مستمرة، بقيت دون حسم، بحسب "نيويورك تايمز" الأمريكية.
خلاف الحدود
قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، خلال مؤتمر صحفي مقتضب اليوم الاثنين، إن المواقف لا تزال متباينة بشأن هذه القضية، مضيفًا: "في الوقت الحالي لدينا مواقف مختلفة بصراحة، لكنني أعتقد أن زملائي استمعوا إلى موقفي الشخصي"، في إشارة إلى رفضه التنازل عن أراضٍ لم تسيطر عليها روسيا ميدانيًا، خصوصًا في إقليم دونيتسك.
وفي الأثناء، أفاد مسؤولون بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغ زيلينسكي بأن الاستمرار في القتال قد يؤدي إلى خسارة تلك المناطق خلال الأشهر المقبلة، داعيًا إلى قبول تسوية إقليمية، بينما شدد الرئيس الأوكراني على أن أي تنازل إقليمي يجب أن يقترن بضمانات أمنية واضحة وملزمة.
ضمانات أمنية
تركزت غالبية المناقشات خلال اليومين الماضيين على آلية الضمان الأمني، التي تهدف إلى منع تكرار أي هجوم روسي على أوكرانيا في المستقبل، إذ قال المسؤولان الأمريكيان إن ترامب مستعد لعرض أي التزام أمريكي نهائي على مجلس الشيوخ للموافقة عليه، سواء في إطار معاهدة رسمية أو تصويت سياسي يعكس دعمًا حزبيًا واسعًا.
إلى جانب ذلك، أوضح المسؤولون أن الولايات المتحدة لا تعتزم نشر قوات برية في أوكرانيا، لكنها لا تزال مستعدة، كما كان مطروحًا سابقًا، لدعم حماية الأجواء وتقديم المعلومات الاستخباراتية عبر الأقمار الصناعية واعتراض الإشارات، في حال التوصل إلى اتفاق.
موقف أوروبي
سرعان ما أبدى مسؤولون أوروبيون، كانوا متحفظين سابقًا إزاء دور ترامب، ارتياحهم لمسار المحادثات، حيث قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن الأيام الأخيرة شهدت "زخمًا دبلوماسيًا غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022"، معتبرًا أن هناك فرصة حقيقية لإطلاق عملية سلام جادة.
لكن في الوقت نفسه، حذرت مصادر دبلوماسية من أن المحادثات لا تزال هشة، لا سيما أن روسيا لم تشارك فيها بشكل مباشر، بينما واصلت قواتها استهداف البنية التحتية الكهربائية والتدفئة في أوكرانيا عبر هجمات صاروخية ومسيرات شبه يومية، في محاولة لاستنزاف صمود السكان خلال فصل الشتاء.
مخاوف أوكرانية
واصل زيلينسكي التأكيد على أن التجارب السابقة، وعلى رأسها مذكرة بودابست لعام 1994، أظهرت أن الضمانات غير الواضحة لا تمنع الحروب، إذ فشلت تلك التفاهمات في حماية أوكرانيا بعد تخليها عن ترسانتها النووية، رغم تعهدات من الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا ودول أخرى.
إضافة إلى ذلك، شدد الرئيس الأوكراني على أن رفض انضمام بلاده إلى حلف شمال الأطلسي يعني الحاجة إلى ضمانات أقوى من تلك التي يتمتع بها أعضاء الحلف أنفسهم، قبل اتخاذ أي خطوات ميدانية، بما في ذلك سحب قوات أو ترتيبات اقتصادية خاصة في شرق البلاد.
تفاصيل أوروبية
أعلن 12 زعيمًا أوروبيًا، في بيان مشترك، أن المسودة المطروحة تتضمن التزامًا غربيًا بدعم أوكرانيا للحفاظ على جيش قوامه نحو 800 ألف جندي في زمن السلم، ليكون الأكبر والأكثر خبرة قتالية في أوروبا، إلى جانب تشكيل قوة متعددة الجنسيات بقيادة أوروبية من دول "راغبة"، دون تحديد مواقع انتشارها.
كما نصت الخطة على أن تقود الولايات المتحدة آلية لمراقبة وقف إطلاق النار والتحقق منه، مع وضع إجراءات لتخفيف التصعيد في حال حدوث انتهاكات، بينما تعهد الأوروبيون باتخاذ خطوات قانونية ملزمة لاستعادة الأمن في حال وقوع هجوم جديد، تشمل أدوات عسكرية واستخباراتية واقتصادية ودبلوماسية.
وفي الختام، أشار التقرير إلى أن المفاوضات لا تزال تواجه عقبات جوهرية، أبرزها إقناع موسكو بالصيغة النهائية، في ظل اعتقاد غربي بأن منع توسع حلف شمال الأطلسي قد يكون أولوية روسية تفوق الاعتراض على تفاصيل الضمانات الأمنية المقترحة، بحسب "نيويورك تايمز" الأمريكية.
خسائر مدنية
أفادت بيانات حديثة بأن ضحايا الحرب في أوكرانيا ارتفعوا بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، بنسبة 26٪ في أعداد الضحايا المدنيين في عام 2025 مقارنة بعام 2024، في الوقت الذي حث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على التوصل إلى وقف لإطلاق النار وإجراء مفاوضات.
وفي تقرير لـ منظمة Action on Armed Violence (AOAV)، ارتفع عدد المدنيين الذين قتلوا وأصيبوا في أوكرانيا إلى نحو 14,775 ضحية في 2025، مقابل 11,765 في العام السابق، وشملت هذه الأرقام 2,250 قتيلًا و 12,525 جريحًا، مع زيادة في معدل الضحايا لكل حادثة بنسبة 33٪، في مؤشر على تصاعد الهجمات الروسية على المناطق الحضرية والبنى الأساسية.