أكد جميل مزهر، نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أن بناء قيادة وطنية موحدة تضم مختلف الفصائل الفلسطينية يمثل ضرورة ملحة في هذه المرحلة، لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، باعتباره التناقض الرئيسي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في سياق مرحلة التحرر الوطني والديمقراطي.
وقال "مزهر"، خلال استضافته في برنامج "الجلسة سرية" على قناة "القاهرة الإخبارية"، الذي يقدمه الإعلامي سمير عمر، إن الجبهة الشعبية تنطلق في مواقفها من أهمية حشد جميع القوى الفلسطينية ضمن جبهة مقاومة موحدة، مشيرًا إلى أن تجارب حركات التحرر في العالم، كما في فيتنام والجزائر، أثبتت أن توحيد القوى المقاومة في إطار وطني جامع كان عاملًا حاسمًا في مواجهة الاحتلال وتحقيق الإنجازات.
وأوضح أن الجبهة الشعبية رأت منذ الانتفاضة الأولى ضرورة تشكيل قيادة وطنية موحدة تضم مختلف الفصائل، بما في ذلك القوى الإسلامية، باعتبار أن وحدة الصف تشكل ركيزة أساسية لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني وتطوير أدوات النضال.
وأشار "مزهر" إلى أن حالة الاستقطاب والانقسام والتنافس الفصائلي ألقت بظلالها سلبًا على مسار النضال الوطني، رغم الدور المؤثر الذي لعبته الجبهة الشعبية خلال الانتفاضة الأولى، مؤكدًا أن الجبهة بذلت جهودًا مكثفة لتقريب وجهات النظر وتغليب البعد الوطني على الحسابات الحزبية، بما يخدم الهدف المشترك في مواجهة الاحتلال.
تعزيز الوحدة الوطنية
وقال إن الجبهة الشعبية سعت منذ وقت مبكر إلى لعب دور الجسر بين القوى الفلسطينية الرئيسية، رافعة شعار تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ موقف فلسطيني موحد في مواجهة الاحتلال، إلا أن حدة الاستقطاب والصراع الداخلي حالت دون تحقيق هذا الهدف، خاصة في ظل تدخلات إقليمية ودولية غذَّت الانقسام.
وأوضح "مزهر" أن الجبهة بذلت جهودًا كبيرة لتشكيل مسار ثالث يكسر الثنائية القائمة بين حركتي فتح وحماس، إلا أن تلك المحاولات لم تنجح، مشيرًا إلى أن محاولات توحيد قوى اليسار الفلسطيني أخفقت أيضًا نتيجة اختلاف البرامج والرؤى والمواقع من السلطة، مؤكدًا أن الجبهة لا تزال ترى أن مرحلة التحرر الوطني تتطلب حشد جميع القوى الفلسطينية في جبهة مقاومة موحدة ضد الاحتلال الإسرائيلي.
وقال إن الجبهة الشعبية لم تتمكن من كسر حالة الاحتكار السياسي السائدة في الساحة الفلسطينية، نتيجة سيطرة طرفين رئيسيين على مقدرات الشعب الفلسطيني، بدعم إقليمي ودولي، ما انعكس سلبًا على إمكانات بناء مسار وطني جامع.
وأوضح نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن هذا الواقع حدَّ من قدرة الجبهة، رغم محاولاتها المتكررة، على إحداث اختراق حقيقي في بنية القرار الوطني، مشيرًا إلى أن الجبهة تصدت في محطات عديدة لتجاوزات سياسية وإنسانية، ولعبت دورًا فاعلًا في الدفاع عن القضايا المعيشية والاجتماعية للمواطنين.
وأضاف أن الجبهة حرَّكت الشارع الفلسطيني في أكثر من مناسبة، وسعت إلى تشكيل تيار وطني مؤثر، إلا أن ميزان القوى القائم حال دون نجاح هذه الجهود، مؤكدًا استمرار الجبهة في نضالها من أجل كسر الاحتكار وتعزيز الشراكة الوطنية في مواجهة الاحتلال.
ويرى "مزهر" أن الشارع الفلسطيني بحاجة إلى قوة وطنية قادرة على تغيير موازين القوى المختلة في الساحة الفلسطينية، في ظل حالة الاستقطاب الحاد وتقاسم النفوذ بين طرفين رئيسيين، ما انعكس سلبًا على وحدة القرار الوطني.
وأكد أن منظمة التحرير الفلسطينية تشكل الإطار الجامع والبيت المعنوي للشعب الفلسطيني، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد له، مشددًا على أن التناقض الرئيسي يبقى مع الاحتلال الإسرائيلي، فيما يمكن تجاوز الخلافات الثانوية ضمن إطار المنظمة.
إعادة الاعتبار لدور منظمة التحرير
وأشار نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى أن منظمة التحرير تعرضت خلال السنوات الماضية للتهميش والإضعاف لصالح السلطة الفلسطينية، مؤكدًا أن الجبهة الشعبية -بوصفها شريكًا مؤسسًا في المنظمة- لا تزال ترى فيها الإطار الوطني الجامع، داعيًا إلى إعادة الاعتبار لدورها وإنهاء حالة التفرد وإخراجها من متاهات السلطة.
وقال "مزهر" إن منظمة التحرير الفلسطينية جرى التعامل معها في مراحل متعددة كأداة أو غطاء لخدمة أهداف السلطة، ما أدى إلى تهميش دورها الحقيقي وإفراغها من مضمونها الوطني، مؤكدًا ن الجبهة الشعبية رفعت صوتها باستمرار للمطالبة بإصلاح المنظمة وإعادة الاعتبار لها على أسس الشراكة الوطنية.
وأوضح أن منظمة التحرير لا تزال -من حيث المبدأ- الممثل الشرعي والجامع للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وأداة نضاله من أجل العودة والتحرير وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، إلا أنها تحولت فعليًا إلى هيئة استشارية، في ظل تدخلات وضغوط دولية.
ونفى "مزهر" الاتهامات التي توجه للجبهة الشعبية بأنها أصبحت رديفًا لحركة حماس، مؤكدًا أنها لم تكن يومًا قوة تابعة لأي فصيل، ولها تاريخ سياسي ونضالي سابق على نشوء حماس بعقود، مشيرًا إلى أن الجبهة خاضت محطات خلاف واتفاق مع قيادة منظمة التحرير، من بينها تشكيل جبهة الرفض عام 1974، وتعليق وعودة مشاركتها في اللجنة التنفيذية في مراحل مختلفة.
وقال "مزهر" إن الجبهة الشعبية لم تكن على علم مسبق بتوقيت عملية السابع من أكتوبر، مؤكدًا أن جزءًا كبيرًا من قيادات حركة حماس نفسها لم يكن مطلعًا على موعد العملية، موضحًا أنه عقب اندلاع "طوفان الأقصى"، التحقت كتائب الشهيد أبو علي مصطفى، الجناح العسكري للجبهة الشعبية، بالمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وخارجه، في إطار مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والدفاع عن الشعب الفلسطيني.
تداعيات السابع من أكتوبر
وصف مزهر، عملية السابع من أكتوبر بأنها حدث نوعي وغير مسبوق في تاريخ النضال الفلسطيني، مشيرًا إلى أن تداعياتها ستظل مؤثرة على مسار الصراع والنضال الوطني الفلسطيني لسنوات طويلة قادمة.
وأوضح أن محاولات إسرائيل إظهار الهزيمة الفلسطينية أو نزع سلاح المقاومة لم تؤتِ ثمارها، رغم دعم المجتمع الدولي لها في حربها ضد غزة، مشيرًا إلى أن العملية لم تُستثمر سياسيًا بالشكل المطلوب، وأن مسار القضية الفلسطينية يحتاج إلى تقييم شامل وإعادة النظر في استراتيجية المقاومة والوحدة الوطنية.
ودعا نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني وبناء إرادة وطنية قوية تقوم على برنامج وإستراتيجية مشتركة لمواجهة الاحتلال، مشددًا على ضرورة حوار وطني شامل لتوحيد الصف الفلسطيني في مواجهة التحديات الراهنة.