تسلط التطورات الأخيرة داخل صحيفة "واشنطن بوست" الضوء على أزمة أعمق تضرب الإعلام الأمريكي في مرحلة سياسية مضطربة، إذ تتشابك الضغوط الاقتصادية مع الحسابات السياسية في ظل عودة دونالد ترامب إلى الواجهة.
رسالة صادمة وسط الحرب
تلقت ليزي جونسون، مراسلة صحيفة "واشنطن بوست" في أوكرانيا، رسالة إلكترونية حيث كانت تعمل في ظروف قاسية، مع استمرار الهجمات الروسية على شبكة الكهرباء، واضطرارها قبل أيام للعمل من سيارتها من دون تدفئة أو كهرباء أو مياه جارية، مستخدمة قلم رصاص لأن حبر الأقلام يتجمد بسهولة.
حمل عنوان الرسالة عبارة "أخبار صعبة"، وجاء في نصها أنه تم إلغاء وظيفتها كجزء من تغييرات تنظيمية ستجرى في ذلك اليوم، مع توضيح أن الاستغناء عنها كان ضروريًا لتلبية ما وصفته الرسالة بـ"الاحتياجات المتطورة لأعمال الصحيفة"، إذ مثَّل هذا الإخطار المفاجئ صدمة شخصية ومهنية في آن واحد، لا سيما في ظل بيئة عمل مرتبطة بتغطية حرب، وفق صحيفة "ذا جارديان" البريطانية.
وسرعان ما انعكس وقع الرسالة علنًا، حين كتبت جونسون على منصة إكس إنها سُرّحت للتو من صحيفة واشنطن بوست وهي في قلب منطقة حرب، مضيفة أنها لا تجد الكلمات المناسبة للتعبير، في منشور اعتبره كثيرون وثيقة صادمة في تاريخ الإعلام الأمريكي الحديث.
قرار التسريح
جاء تسريح جونسون في إطار قرار اتخذه جيف بيزوس، الملياردير مالك صحيفة واشنطن بوست ومؤسس شركة أمازون، بتسريح أكثر من 300 موظف، أي ما يقارب ثلث القوة العاملة في الصحيفة، وذلك يوم الأربعاء.
وحسب "ذا جارديان"، شمل القرار إغلاق القسم الرياضي بالكامل، وتقليصًا كبيرًا في قسمي الثقافة والكوادر المحلية، إضافة إلى الاستغناء عن جميع الصحفيين العاملين في مناطق نائية مثل أوكرانيا والشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، كسر دون جراهام، نجل المالكة التاريخية للصحيفة كاثرين جراهام، صمته لأول مرة منذ بيع الصحيفة لبيزوس عام 2013 مقابل 250 مليون دولار، قائلًا إن ما جرى يمثل يومًا سيئًا، في إشارة مقتضبة لكنها ذات دلالة رمزية كبيرة.
ووصف مارتي بارون، رئيس تحرير صحيفة واشنطن بوست السابق، اليوم بأنه من أحلك الأيام في تاريخ واحدة من أعظم المؤسسات الإخبارية في العالم، وذهب أبعد من ذلك حين انتقد بيزوس بشدة، متهمًا إياه بمحاولات مقيتة لكسب ود الرئيس ترامب، معتبرًا أن هذه السلوكيات تركت وصمة عار على سمعة الصحيفة.
توقيت حرج
قال ماركوس براوشلي، رئيس تحرير واشنطن بوست حتى عام 2012، إن توقيت هذه القرارات بالغ القسوة، في ظل ما وصفه بـ"العاصفة" التي تهدد النظام العالمي والنظام الحكومي الأمريكي، وأكد أن أهمية الصحافة تزداد في مثل هذه اللحظات، متسائلًا عن معنى تسريح صحفيين يعملون في أوكرانيا في هذا التوقيت.
ويعد بيزوس، رابع أغنى شخص في العالم بثروة تقدر بنحو 245 مليار دولار بحسب مجلة فوربس، ونقل عن بيتر بيكر، كبير مراسلي البيت الأبيض في نيويورك تايمز، قوله إن بيزوس قادر على تغطية خسائر واشنطن بوست السنوية البالغة 100 مليون دولار لمدة خمس سنوات باستخدام أرباح أسبوع واحد فقط.
ووصفت "ذا جارديان" المشهد العام لإعلان التسريحات بأنه "شيطاني"، حيث أوكلت مهمة إبلاغ الموظفين المذعورين عبر تطبيق "زووم" إلى رئيس التحرير التنفيذي مات موراي، بينما غاب بيزوس تمامًا عن المشهد.
وجاءت هذه التطورات بعد أيام فقط من إطلاق فيلم وثائقي عن ميلانيا ترامب مولته أمازون برايم فيديو بمبلغ 75 مليون دولار، ونقل عن المؤرخ سيمون شاما قوله "إن ما فعله بيزوس من أجل ميلانيا بينما كان يدمر صحيفته سـيُنظر إليه كأبرز أعراض الانهيار الثقافي في ديمقراطية تتمسك بالحقيقة بـأضعف الخيوط".
وترى "ذا جارديان" أن هذا المسار لم يكن مفاجئًا تمامًا، إذ بدأت بوادره في أكتوبر 2024 عندما سحب بيزوس تأييد الصحيفة لكامالا هاريس قبل الانتخابات الرئاسية، ما أدى إلى إلغاء نحو 250 ألف اشتراك، تلاه فرض قيود جديدة على محتوى الرأي تحت ما سماه بيزوس "ركيزتي الحريات الشخصية والأسواق الحرة".
أزمة الإعلام
ووضعت "ذا جارديان" هذه التطورات في سياق أوسع من التدهور الذي تشهده وسائل الإعلام الأمريكية، حيث أغلقت نحو 3500 صحيفة منذ عام 2000، ما ترك ربع الأمريكيين في مناطق تفتقر إلى صحف محلية، وتشير إلى أن هذا الفراغ سمح بانتشار الأخبار غير الموثَّقة والمعلومات المضللة.
وفي المقابل، انتقلت ملكية صحف تاريخية إلى أيدي مليارديرات في قطاع التكنولوجيا، مثل استحواذ باتريك سون شيونج على "لوس أنجلوس تايمز"، في نمط ترى الصحيفة أنه يعمق أزمة استقلال الإعلام.