بعد سنوات من النظر إلى تركيا كمشكلة معقدة، بدأ الاتحاد الأوروبي ينظر إليها اليوم كجزء أساسي من الحل لأزمة أوكرانيا، إذ إنه مع تسارع المحادثات الرامية لإحلال السلام في أوكرانيا، أصبح يرى دور تركيا المحتمل في النظام الإقليمي لما بعد الحرب، خاصةً كقوة حفظ سلام ووسيط إقليمي في البحر الأسود، ما يجعلها شريكًا حيويًا لا غنى عنه للاتحاد الأوروبي، بحسب ما نقلته صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية.
أنقرة قوة إقليمية
تشير "بوليتيكو" إلى أن تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، وموقعًا إستراتيجيًا بين المتوسط والشرق الأوسط، كما تمنحها سيطرتها على مضيق البوسفور نفوذًا استثنائيًا ظهر عندما نجحت في التوسط لاتفاق البحر الأسود، يوليو 2022، لمرور سفن القمح الأوكراني، كما أعلنت أنقرة استعدادها لنشر قوات حفظ سلام في أوكرانيا حال التوصل لاتفاق مع موسكو، وتولي دور رئيسي في تأمين البحر الأسود.
بروكسل تمد يد المصالحة
تزور مفوضة التوسع الأوروبي مارتا كوس، تركيا، مؤكدة لـ"بوليتيكو" أن "السلام في أوكرانيا سيعيد رسم الواقع الأوروبي بالبحر الأسود، وستكون تركيا شريكًا محوريًا"، مضيفة أن "التحضير للسلام يستلزم بناء شراكة متينة مع أنقرة".
وتشهد الزيارة توقيع بنك الاستثمار الأوروبي وتركيا على قروض بـ200 مليون يورو للطاقة المتجددة، بعد تعليق القروض منذ 2019 بسبب خلافات التنقيب قبالة قبرص، كما سيكشف الاتحاد عن دراسة لتعزيز الربط والاستثمارات مع تركيا وأوروبا الوسطى والقوقاز عبر ممر بحر قزوين.
تحديات العلاقات الثنائية
شهدت العلاقات بين الطرفين توترات على مدى السنوات الماضية، ورغم أن تركيا مرشحة رسميًا للانضمام للاتحاد الأوروبي، فإن مفاوضات العضوية مُجمَّدة منذ 2018.
وأشارت كوس، وفقًا لـ"بوليتيكو"، إلى ملاحظات الاتحاد حول بعض القضايا المتعلقة بسيادة القانون والديمقراطية، لكنها أكدت أن تركيا تمتلك "إرثًا ديمقراطيًا عريقًا ومجتمعًا مدنيًا نشطًا يجب تعزيزه لبناء الثقة".
مطلب أنقرة الرئيسي
تشير "بوليتيكو" إلى أن ما تطمح إليه تركيا فعليًا هو تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي الموقعة عام 1995، إذ إن الاتفاقيات الجديدة للاتحاد الأوروبي مع الهند وميركوسور تضعها في موقف صعب، حيث ستضطر لفتح أسواقها دون رسوم لهذه الدول دون مقابل.
ووصل الأمر لنداء من عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي أرسل لقادة الاتحاد الأوروبي مطالبًا بتحديث الاتفاقية، قائلًا حسب "بوليتيكو": "يظل الاتحاد الجمركي الإطار الوحيد القائم على المعايير الذي يدعم العلاقات، وباتت التبعات غير المتكافئة على تركيا أكثر وضوحًا".
يحتاج تحديث الاتفاقية إلى موافقة المجلس الأوروبي، إذ تعارض اليونان وقبرص أي تقارب دون بوادر حسن نية من أنقرة، كما تطالب نيقوسيا، حسب مسؤول أوروبي لـ"بوليتيكو"، بالسماح لسفنها بدخول الموانئ التركية، لكن أنقرة لا تعترف بها بسبب انقسام 1974.
وأكدت كوس أن "قوة أي شراكة مستقبلية ترتكز على علاقات جيدة مع دولنا الأعضاء، وخصوصًا مع قبرص".
وقالت نائبة وزير الشؤون الأوروبية القبرصية، ماريلينا راونا، إن رئاسة قبرص للمجلس "يمكن أن تكون فرصة" للعلاقات، مشيرة لتعامل قبرص "البنّاء" وتطلعها لتعامل تركي مماثل، إلا أن أنقرة رفضت العام الماضي اقتراحًا قبرصيًا لفتح موانئها مقابل تأشيرات أوروبية لرجال الأعمال الأتراك.
تحولات دولية
على جانب آخر، تشير "بولتيكو" إلى أن التحولات الجيوسياسية التي يقودها ترامب، قد تدفع الطرفين للتقارب، إذ قالت السفيرة التركية لدى الاتحاد، يابراك بالكان، لـ"بوليتيكو": "العالم يتغير والتاريخ يتسارع، والعلاقات تحتاج للتكيف. السبيل لتقويتها يكمن بالمصالح المشتركة، ونأمل تطبيق هذه الفلسفة بشكل ملموس. يبقى هدف تركيا الانضمام للاتحاد، وهذا المنارة التي تقود علاقاتنا".
رغم أن الاتحاد لا يفكر حاليًا بإعادة فتح مفاوضات العضوية، أكدت كوس: "علينا النظر بعيون جديدة لعلاقاتنا"، مضيفة أن زيارتها "تهدف لإعادة بناء الثقة واستكشاف تحسين علاقاتنا الاقتصادية بما يخدم الطرفين".