لم تعد عبارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الساخرة عن "البقرة الإسرائيلية المُحوسبة" تثير الضحك كما في السابق. ففي شتاء 2026، تحولت القصة التي طالما استخدمت للتفاخر بالتفوق التكنولوجي الإسرائيلي إلى نظام اقتصادي مأزوم، وغلاء معيشة خانق، ودولة تعجز عن تأمين أبسط سلعة أساسية لمواطنيها (الحليب).
ومع بداية فبراير، فوجئ الإسرائيليون برفوف شبه فارغة في المتاجر، بعد أن أوقف مزارعو الألبان توريد الحليب احتجاجًا على خطة حكومية، بحسب "جيروزليم بوست".
وفقًا للصحيفة العبرية فإن إسرائيل، التي تمتلك أحد أكثر أنظمة إنتاج الحليب تطورًا تكنولوجيًا في العالم، تبيع لتر الحليب لمواطنيها بسعر يقترب من ثلاثة أضعاف سعره في الولايات المتحدة، وبنحو ضعف متوسط الأسعار في معظم دول الاتحاد الأوروبي. ولم تعد هذه الفجوة قابلة للتبرير خصوصًا في ظل ارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة، وتآكل القدرة الشرائية، واتساع رقعة الفقر داخل المجتمع الإسرائيلي.
تسعيرة إجبارية
وفي قلب الأزمة يقف نظام إنتاج شديد المركزية، تتحكم فيه الدولة من البداية حتى النهاية، إذ تحدد الحكومة كمية الحليب المسموح بإنتاجها على مستوى البلاد، ثم توزع الحصص بدقة شبه بيروقراطية على المزارع، التي يتركز معظمها في المستوطنات الزراعية.
ويجبر المزارعون على بيع إنتاجهم بسعر تحدده الحكومة إلى عدد محدود من شركات الألبان العملاقة، التي تحتكر التصنيع والتوزيع. في المقابل، تغلق الحدود أمام المنافسة الخارجية عبر رسوم جمركية تصل إلى 40%، بينما تضيف سلاسل التجزئة الكبرى هوامش ربح مرتفعة.
من جانبه، قرر وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش كسر هذا النظام عبر خطة لتحرير السوق وخفض الرسوم الجمركية، لكن توقيت الخطوة كان كاشفًا لحالة التفكك التي تعيشها الحكومة، في ظل تداعيات هجوم 7 أكتوبر، والانقسام المجتمعي حول تجنيد الحريديم، الذي أسفر عن تدنى مستويات الثقة بحكومة جيش الاحتلال.