سلّطت النسخة 55 من مهرجان روتردام السينمائي الدولي (IFFR) الضوء، اليوم الاثنين، على موضوع "السينما العربية المتحركة"، من خلال حلقة نقاش جمعت كلًا من المخرج الجزائري مالك بن إسماعيل، والمخرجة اللبنانية ماري روز أوستا، مخرجة فيلم "الوطن المر"، إلى جانب المخرج المصري مروان حامد، الذي يخصص له المهرجان هذا العام استعراضًا خاصًا لأعماله.
وانعقدت حلقة النقاش ضمن فعاليات IFFR Pro، وهدفت إلى استكشاف واقع صناعة السينما في العالم العربي، بحسب ما أوضحت مقدمة المهرجان. وشارك في الجلسة عدد من صنّاع الأفلام المشاركين في مهرجان روتردام السينمائي الدولي لعام 2026، إضافة إلى ضيوف من قطاع السينما، حيث جرت مناقشة أساليب الإنتاج المتنوعة في السينما العربية، بدءًا من الأفلام ذات الميزانيات الضخمة وصولًا إلى الأعمال المستقلة، فضلاً عن مصادر التمويل المتغيرة وتأثيرها المباشر على عملية الإنتاج.
ومن بين أبرز القضايا التي طرحت خلال النقاش العلاقة المتنامية بين السينما ومنصات البث المباشر، وما تحمله من فرص وتحديات. وفي هذا السياق، أشار المخرج المصري مروان حامد إلى أن البث المباشر أصبح يشكّل جزءًا أساسيًا من عوائد الأفلام، موضحًا أن هذه المنصات تمثل حاليًا أكثر من 50% من إيرادات الفيلم.
وأضاف أن البث المباشر يسهم أيضًا في إطالة العمر التجاري للأفلام، من خلال توسيع دائرة انتشارها ووصولها إلى جمهور أكبر.
في المقابل، عبّرت المخرجة اللبنانية ماري روز أوستا عن رؤية أكثر نقدية تجاه منصات البث، وقالت إنها تعتبر نفسها محظوظة لأنها بدأت مسيرتها السينمائية قبل ظهور هذه المنصات، ما أتاح لها الإيمان بقدرتها على مواجهة استوديوهات الإنتاج الكبرى. وأضافت: "الاستوديوهات موجودة في الولايات المتحدة، وهي بعيدة جدًا عني، ولا أشعر بأنها تهديد مباشر، إذ يمكنني أن أعيش عالمي الخاص، وأن أعمل على إنتاجات مشتركة مع أوروبا عندما تسنح الفرصة، أو أن أتعاون مع أصدقائي في بلدي".
وأكدت أوستا أن المشهد تغير لاحقًا، الأمر الذي أثّر بشكل ملحوظ على العديد من صنّاع الأفلام، وقالت: "ثم دخلت الاستوديوهات إلى منازلنا عبر منصات البث، وأصبح من الصعب جدًا مواجهتها أو مقاومتها". واعتبرت أن هذه المنصات تشكّل تهديدًا كبيرًا، ليس فقط على مستوى الإنتاج، بل أيضًا من حيث نظرتها إلى المنطقة العربية والمعايير التي تفرضها على المحتوى، وأضافت أن أي عمل يحمل طابعًا إشكاليًا أو مثيرًا للجدل، أو لا يتماشى مع ما تعتقد المنصات أنه يرضي "المشاهد الجيد الجالس في منزله"، غالبًا ما يتم تجاهله، قائلة: "هذه ليست سينما".
وعند سؤالها عما إذا كان توجه أعمالها نحو جمهور صالات العرض الفنية، ولا سيما في أوروبا، يفرض عليها قيودًا معينة، أجابت أوستا بأنها تشعر بحرية مطلقة نتيجة هذا الخيار، وقالت: "أنا أكثر شخص حر على الإطلاق بسبب ذلك، وأنا أحب هذا الإحساس، وأعتقد حقًا أن هذا المسار لن يوقفني".
كما عبّرت المخرجة اللبنانية ماري روز أوستا عن أملها في مستقبل السينما بوصفها فنًا ينتج بحرية إبداعية كاملة، مؤكدة أن الجمهور هو من يخلق الطلب في نهاية المطاف، وقالت: "لدي ثقة كبيرة في الجيل الجديد، وأؤمن بأن الناس سيشعرون بالملل يومًا ما من التكرار وإعادة الإنتاج وهيمنة المنصات".
وأضافت: "حينها ستصبح السينما جديرة بأن يكون ثمن تذكرتها، على سبيل المثال، مئة دولار، لأنها ستكون فنًا حقيقيًا، وسأكون عندها سعيدة".
من جانبه، تناول المخرج الجزائري مالك بن إسماعيل، الذي نقلت مداخلاته من الفرنسية إلى العربية عبر مترجم، السياق التاريخي والسياسي لصناعة السينما في الجزائر، وأوضح أن فترة الاستعمار شهدت غيابًا شبه كامل للشخصيات العربية في الأفلام، قائلًا: "لم يكن هناك تقريبًا أي فيلم يقدم شخصية عربية، ولم يقم أحد بتصوير الحياة اليومية للجزائريين".
وأضاف أن الواقع الحالي لا يخلو من التعقيدات، إذ يجد صانع الفيلم نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما إنتاج فيلم بتمويل جزائري رسمي قد يصنف كعمل دعائي، أو البحث عن تمويل خارجي، وهو ما قد يعرضه لاتهامات بمساندة القوة الاستعمارية السابقة.
كما تطرق بن إسماعيل إلى تأثير الحرب الأهلية الجزائرية، المعروفة محليًا باسم "العشرية السوداء" أو "الحرب القذرة"، التي استمرت من عام 1992 حتى عام 2002، وقال إن تلك المرحلة شهدت توقفًا شبه كامل لعرض الأفلام في دور السينما، فضلًا عن تعطل الإنتاج السينمائي، وأضاف: "اليوم، يحمل مخرجون شباب كاميراتهم ويحاولون إيجاد موضوعات وأفلام جديدة، لكن عملية الإنتاج لا تزال بالغة الصعوبة".
واختتم المخرج الجزائري مالك بن إسماعيل حديثه بالإشارة إلى أن الطريق الأسهل أمام العديد من صنّاع الأفلام الجزائريين يبقى التوجه إلى فرنسا، نظرًا لما توفره من تمويل كبير ودعم مؤسسي لصناعة السينما، وهو ما يفتح في الوقت نفسه نقاشًا حول استقلالية السينما العربية ومستقبلها في ظل التحولات العالمية المتسارعة.