في الوقت الذي تتزاحم فيه الرسائل الدعائية والتصعيد اللفظي بين القوى الكبرى، اختارت بكين طريقًا مختلفًا للرد.. طريق السخرية الذكية.
وبعبارة إنجليزية من كلمتين فقط، كانت كفيلة بإشعال منصات التواصل الاجتماعي، بعدما استخدمها المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية للرد على مقاطع دعائية غربية تتخيل إغراق السفن الحربية الصينية.
وبلا تهديد، ولا بيانات نارية، بل برد خفيف الظل في شكله، ثقيل في معناه، حمل رسالة واضحة مفادها أن بعض السيناريوهات الغربية لا تتجاوز حدود الخيال.
وخلال المؤتمر الصحفي الدوري لوزارة الدفاع الصينية، سئل المتحدث باسم الجيش "جيانج بين" عن مقاطع رسوم متحركة نشرتها شركات ومؤسسات عسكرية في السويد وبريطانيا والولايات المتحدة واليابان، تُظهر سيناريوهات افتراضية لتدمير سفن تابعة للبحرية الصينية. وجاء رده مقتضبًا لكنه معبرًا وقويًا: "You Wish" أي "مجرد أحلام"، بحسب صحيفة "جلوبال تايمز" الصينية.
العبارة، وهي من صميم العامية الإنجليزية، تستخدم للتعبير عن السخرية ورفض الادعاء غير الواقعي، وبذلك، اختار المتحدث العسكري الصيني أسلوبًا غير تقليدي، بعيدًا عن اللهجة الغاضبة أو التصعيدية، ليسقط الرسالة الغربية بعبارة واحدة وصفها متابعون بأنها "خفيفة في الشكل، حادة في المضمون".
سخرية بدل الإدانة
وبدلًا من إصدار بيانات مطولة، وصفت وزارة الدفاع الصينية هذه العروض بأنها "سلوك استعراضي قائم على التسلية الذاتية"، في إشارة إلى أن الهدف منها ليس تحليلًا عسكريًا جادًا، بل تسويق تجاري يضخّم قدرات السلاح الغربي لإقناع الزبائن.
ويرى مراقبون أن اختيار المتحدث باسم الجيش لتلك العبارة لم يكن عفويًا، بل محسوب بعناية، إذ حمل في طياته استهزاءً بالادعاءات الغربية، وفي الوقت نفسه ثقة بالنفس تعكس تقييم بكين لقدراتها العسكرية.
نموذج للقوة العسكرية
وتشير تحليلات صينية إلى أن إدراج السفن الصينية المتطورة، مثل المدمرات من طراز 055 والفرقاطات 054 وحاملات الطائرات في مواد دعائية غربية، يعكس اعترافًا غير مباشر بصعود القوة العسكرية الصينية. فقبل عقدين أو ثلاثة، كانت هذه المقاطع تتخذ من مقاتلات "سو-27" أو دبابات "تي-90" الروسية أهدافًا افتراضية، أما اليوم فقد باتت المنصات الصينية هي "الخصم النموذجي" في الإعلانات العسكرية، بحسب صحيفة "بكين ديلي".
ويعلّق مستخدمون صينيون على الإنترنت بأن هذه الشركات "تضع قائمة أمنياتها" عبر تصوير أسلحة صينية متقدمة كأهداف سهلة، في محاولة لإبراز فعالية منتجاتها.
وتصف بكين هذه الفيديوهات بأنها ليست مجرد دعاية سلاح، بل جزء من خطاب أوسع يروّج لمنطق المواجهة و"نظرية التهديد الصيني"، بهدف تغذية سباق تسلح وبيع المزيد من الأسلحة، خصوصًا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وفي السياق، شددت وزارة الدفاع الصينية على أن تحديث الجيش الصيني يتم في إطار سياسة دفاعية بحتة، مؤكدًة أن بكين لا تسعى إلى الهيمنة أو استهداف أي دولة، بل إلى حماية سيادتها ووحدة أراضيها والمساهمة في الأمن والاستقرار الدوليين، من خلال مهام مثل مرافقة السفن في خليج عدن، والمشاركة في عمليات حفظ السلام والإغاثة الإنسانية.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يرد فيها المتحدثون العسكريون الصينيون بلهجة واثقة. فقبل أسابيع، استخدمت وزارة الدفاع تعبيرات حادة للرد على مزاعم يابانية بشأن القدرة على إغراق حاملة الطائرات الصينية "فوجيان". ومع التطورات الأخيرة، من دخول "فوجيان" الخدمة إلى تسارع تحديث القدرات الجوية والبحرية، ترى بكين أن ثقتها تستند إلى "قوة حقيقية لا إلى دعاية".