أكد نائب الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف المصري الكبير للشؤون الأثرية الدكتور خالد حسن، أن الرؤية المتحفية للمتحف المصري الكبير تخضع لعملية تحديث وتطوير مستمرة، خصوصًا أن مفهوم المتحف قد تغيّر جذريًا، فلم يعُد مجرد مساحة للعرض والزيارة، بل تحوَّل إلى منارة ثقافية ومركز إشعاع معرفيًا يستهدف رفع الوعي المجتمعي، وتعزيز التنشئة الثقافية، وبناء روابط حضارية تنعكس إيجابًا على المجتمع.
وأضاف "حسن" خلال ندوة بعنوان "الرؤية المتحفية للمتحف المصري الكبير"، ضِمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، أن خبيئة التوابيت الـ15 المعروضة تمثِّل جزءًا صغيرًا فقط من مقتنيات المتحف، والذي يضم عشرات التوابيت قادمة من سقارة ومواقع أثرية أخرى، مشيرًا إلى أن مركز الترميم في المتحف يُعَدّ من أكبر مراكز الترميم على مستوى العالم، وفيه يتم التعامل مع توابيت تحتوي على مومياوات وفق أحدث الأساليب العلمية.
مواكبة التكنولوجيا
أوضح أن المعروضات الحالية تعبّر عن عظمة الحضارة المصرية، ودقة المصري القديم، وما سيتم عرضه مستقبلًا سيكون أكثر إبهارًا، خصوصًا مع تخصيص قاعات لإقامة معارض مؤقتة تتيح للزائر تجربة متحفية تحاكي البيئة الأصلية للآثار، مشيرًا إلى أن مجموعة توت عنخ آمون تُعرَض لأول مرة كاملةً تحت سقف واحد، وتضم كنوزًا تصلُح كل قطعة منها لأن تكون معرضًا مستقلًا، إلا أن ثراء الحضارة المصرية فرض عرضها مجتمعةً؛ لإبراز حجم هذا الإرث الفريد.
ونبّه إلى أن سياسة المتحف المصري الكبير تقوم على التجديد المستمر في العرض المتحفي، مشيدًا بجهود الفريق المصري من الأثريين والمرممين، الذين شاركوا في تنفيذ المشروع منذ فكرته الأولى، لافتًا إلى أن تشغيل مشروع بهذا الحجم يُعَدّ تحديًا كبيرًا، خصوصًا مع استقبال آلاف الزائرين يوميًا من مختلف الثقافات والفئات العمرية، ما يتطلب تقديم تجربة متحفية مميزة على مدار الساعة.
أشار نائب الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف المصري الكبير للشؤون الأثرية، إلى أن المتحف يمتد على مساحة 117 فدانًا، ليشكِّل صرحًا ثقافيًا عالميًا، ويحظى بدعم كامل من الدولة المصرية، التي تعمل على تذليل جميع العقبات؛ باعتباره مشروعًا قوميًّا يعكس مكانة مصر الحضارية.
وفيما يتعلق بدور التكنولوجيا، قال "حسن" إنها تمثِّل أحد أعمدة الرؤية المتحفية، وتُستخدم في إعداد السيناريوهات المتحفية، بما يضمن تفاعل الزائر مع الأثر، مؤكدًا حرص المتحف على مواكبة أحدث التطورات التكنولوجية من خلال الشراكات المؤسسية، بدءًا من الحجز الإلكتروني، مرورًا بعمليات التشغيل والصيانة والحفظ، وأحدث المعامل والأجهزة المستخدمة في صون الآثار.
منصة لنشر العلم والمعرفة
فيما كشف أستاذ الآثار المصرية القديمة بجامعة القاهرة، المشرف العام السابق على مشروع المتحف المصري الكبير الدكتور طارق توفيق، أن الرؤية الأولى للمتحف المصري الكبير، منذ عام 2001، قامت على فكرة أنه ليس مجرد مكان لعرض الآثار، بل منصة لنشر العلم والمعرفة، ومجال للاستمتاع والترفيه والثقافة، بما يحقق الاستدامة ويجعل المكان منافسًا عالميًا.
أضاف "توفيق" أن فكرة عرض مجموعة توت عنخ آمون كاملةً جاءت كحل مبتكر، لا سيما أن الاكتشاف منذ عام 1922 عُرضت منه نحو 1800 قطعة فقط، بينما يضم المتحف المصري الكبير قرابة 6 آلاف قطعة، تمثِّل جميع محتويات المقبرة.
أشار إلى أن المتحف المصري الكبير يتكوَّن من أجزاء رئيسية، يبدأها بهو المدخل بتمثال رمسيس الثاني، يليه "الدرج العظيم"، الذي يضم 70 قطعة أثرية ضخمة لا مثيل لها عالميًا، ثم قاعتا توت عنخ آمون، و12 قاعة عرض دائمة تسير وفق تسلسل تاريخي وموضوعي في آنٍ واحد، ضِمن أسلوب حديث يحقق انبهار الزائر، ويلبي تطلعات الجمهور العالمي.
مجمع ثقافي متكامل
ونبّه طارق توفيق إلى أن تنفيذ المشروع استغرق نحو 23 عامًا وصولًا إلى الافتتاح الكامل، بفضل الرؤية والدعم المستمر من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لافتًا إلى أن المتحف استقبل قرابة مليون زائر خلال شهرين فقط من الافتتاح.
وتطرَّق أستاذ الآثار المصرية القديمة بجامعة القاهرة، المشرف العام السابق على مشروع المتحف المصري الكبير، إلى التحديات التي واجهت المشروع، سواء الاقتصادية أو التمويلية، مشيرًا إلى أن التعاون مع الجانب الياباني أسهم في استكمال المشروع دون تحميل الدولة أعباء إضافية.
وأضاف أن من أبرز التحديات كانت عمليات نقل وعرض القطع الضخمة، مثل تمثال رمسيس الثاني، مشيدًا بدور الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة في تنفيذ هذه العمليات بكفاءة عالية، واصفًا إياهم بـ"أحفاد المصريين القدماء" في عبقريتهم الهندسية.
وواصل: "التحديات شملت أيضًا الحفاظ على المواد العضوية الحساسة كالخشب والأقمشة والجلود، ما تطلّب تصميم منظومة إضاءة دقيقة لا تؤثر على سلامة الآثار، إلى جانب إدارة أعداد الزائرين اليومية، وصيانة القطع، واستقبال الوفود الدولية".
واختتم حديثه بتأكيد أن المتحف المصري الكبير ليس مجرد متحف، بل مجمع ثقافي متكامل يضم قاعات مؤتمرات وسينما ومطاعم وفعاليات ثقافية مستمرة، بما يضمن استدامته، مشددًا على أن استخدام التكنولوجيا في العرض المتحفي جاء مدروسًا بعناية، بحيث يدعم تجربة الزائر دون أن يطغى على جمال ورونق القطع الأثرية.