تشهد خريطة التحالفات الدولية تحوُّلًا إستراتيجيًا غير مسبوق، إذ بدأت دول، كانت تُعتبر حجر الزاوية في الشراكة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، بإعادة النظر في علاقاتها مع الصين، في محاولة لتقليص اعتمادها على واشنطن، وسط مخاوف من تقلبات الإدارة الأمريكية الحالية وسياساتها التجارية العقابية.
البحث عن بدائل
كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن وصول الضغوط الأمريكية ذروتها، حين هدد الرئيس دونالد ترامب، السبت الماضي، بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على البضائع الكندية، إذا عقدت أوتاوا أي اتفاق مع بكين.
هذا التهديد جاء ردًا على إعلان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، عن خفض حاد في الرسوم المفروضة على السيارات الكهربائية الصينية، والإشادة بـ"شراكة إستراتيجية جديدة" مع الصين، تواكب المتغيرات الدولية الراهنة.
الاتفاق الكندي-الصيني يشمل السماح بدخول 49 ألف سيارة كهربائية صينية الصنع بتعريفات منخفضة، مقابل تخفيض بكين للرسوم على زيت الكانولا الكندي.
توجُّه نحو بكين
لا تقتصر هذه التحركات على كندا، فوفقًا للتقرير، يستعد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لزيارة بكين هذا الأسبوع؛ للقاء الرئيس الصيني شي جين بينج، في أول زيارة لرئيس حكومة بريطاني للعاصمة الصينية منذ ثماني سنوات.
مهَّدت الحكومة البريطانية لهذه الخطوة بالموافقة على بناء مقر ضخم جديد للسفارة الصينية في لندن، بعد تجميد المشروع منذ شراء مبنى دار سك العملة الملكية القديم عام 2018؛ إثر توتر العلاقات بسبب ملف هونج كونج.
كما أعادت لندن إحياء المحادثات التجارية مع بكين، العام الماضي، بعد توقف استمر سنوات.
التحركات الآسيوية لم تكن أقل وضوحًا، إذ أعلن الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونج، أخيرًا، رغبته في "استعادة شاملة" للعلاقات مع الصين.
فيما سيلتقي رئيس الوزراء الفنلندي بيتيري أوربو، بالرئيس شي في بكين، مساء اليوم الثلاثاء، ومن المتوقع أن يزور المستشار الألماني فريدريش ميرز الصين الشهر المقبل، حسبما ذكرت وول ستريت جورنال.
الحذر والواقعية
يتخذ الاتحاد الأوروبي موقفًا أكثر تحفظًا رغم الانفتاح التدريجي، إذ تبنى الاتحاد في السنوات الأخيرة سياسة "تقليل المخاطر" تجاه الصين، وفتح عشرات التحقيقات التجارية في الواردات الصينية، لكن في خطوة لاقت ترحيبًا صينيًا، أصدر الاتحاد أخيرًا توجيهات، تتيح للشركات المُصنِّعة للسيارات الكهربائية التقدُّم بطلبات لتحديد سقف سعري محدد لمنتجاتها؛ كبديل عن دفع الرسوم الجمركية المفروضة، على أن تدرس بروكسل كل طلب على حدة دون تعهُّد مُسبق بإلغاء هذه الرسوم".
من الاختيار إلى الضرورة
يُلخِّص ميكو هوتاري، المدير التنفيذي لمعهد ميركاتور للدراسات الصينية في برلين، هذا التحوُّل بقوله للصحيفة: "الأمر ليس أن الصين باتت أكثر جاذبية، بل أصبحت أكثر ضرورة" في ظل عدم القدرة على التنبؤ بالسياسة الأمريكية.
ورغم أن التعرض الاقتصادي لأمريكا يبقى ضخمًا، إذ صدّر الاتحاد الأوروبي بضائع بقيمة 630 مليار دولار للولايات المتحدة عام 2024 مقابل 250 مليارًا فقط للصين، وفق بيانات الكتلة، إلا أن كايل تشان، الباحث في معهد بروكينجز، يُحذِّر من أن العلاقات الأمريكية الصينية باتت تُدار عبر علاقة ترامب الشخصية بشي، بدلًا من جهد مُنسَّق مع الحلفاء، مؤكدًا أنه "لم تُعد هناك إستراتيجية واضحة ومتضافرة لمواجهة التحديات المشتركة" في القضايا التجارية والأمنية.