في خطوة تنسف عقودًا من الدفاع عن الأسواق المفتوحة، تتجه دول الاتحاد الأوروبي لتبني إستراتيجية صينية كانت تنتقدها بشدة، عبر إجبار الشركات الأجنبية على الدخول في شراكات مع نظيراتها المحلية للوصول إلى السوق الأوروبية، في محاولة لإنعاش القوة الصناعية للقارة العجوز.
خريطة جديدة للاستثمار في أوروبا
كشفت صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية عن مُسوَّدة مُسرَّبة لقانون "المُسرِّع الصناعي" الذي يقوده المفوض الفرنسي ستيفان سيجورنيه داخل أروقة الاتحاد في بروكسل، والذي يضع شروطًا صارمة على الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الإستراتيجية.
يستهدف القانون رفع نسبة الإنتاج الصناعي إلى 20% من القيمة المضافة للاتحاد بحلول 2030، مقابل 14.3% المسجلة في 2020، وذلك من خلال استنساخ الوصفة الصينية التي حولت بكين من اقتصاد فقير في السبعينيات إلى قوة عظمى.
بموجب المسودة الحالية، ستخضع أي استثمارات أجنبية تفوق 100 مليون يورو في القطاعات الناشئة الحيوية لفحص إلزامي من السلطات، مع منع المستثمرين الأجانب من امتلاك أكثر من 49% في الشركات الأوروبية العاملة بهذه المجالات.
وتشمل القطاعات المستهدفة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، تقنيات الحياد الكربوني كالبطاريات والألواح الشمسية، بالإضافة لقطاع السيارات.
ولا يتوقف الأمر عند حد الشراكات الإجبارية، إذ يفرض القانون على الشركات الأجنبية مشاركة خبراتها التقنية لصالح الاتحاد الأوروبي، مع بقاء حقوق الملكية الفكرية في أيدي الشركات الأوروبية، كما يُلزم المستثمرين الأجانب بتخصيص 1% على الأقل من عائدات المشروع المشترك للبحث والتطوير داخل الاتحاد، وتصنيع 50% من منتجاتهم في الكتلة الأوروبية.
انتقادات قانونية وتناقض صارخ
يرى نيكلاس بويترز، الباحث في مركز "بروجل" الفكري، أن القانون يضع المفوضية في موقف محرج، قائلًا لـ"بوليتيكو": "هذا يتناقض مع كل الجهود التي بذلتها أوروبا للحفاظ على انفتاح السوق، كما أنه مشكوك فيه من الناحية القانونية".
ويضيف: "لطالما اشتكينا لسنوات من إجبار الصين للشركات على الدخول في شراكات مشتركة، والآن نعود لنفعل الشيء ذاته، ما يخلق أزمة مصداقية ضخمة".
ويشاطره الرأي فالك شونينج، الشريك في مكتب "هوجان لوفيلز" القانوني المتخصص في فحص الاستثمار الأجنبي، قائلًا: "بعض البنود كسقف الـ49% للاستثمار الأجنبي تبدو وكأنها نسخة طبق الأصل مما فرضته الصين أو دول الخليج منذ سنوات".
ويثير القانون أيضًا صراعًا على الصلاحيات داخل المفوضية بين المديرية العامة للنمو وإدارة التجارة المسؤولة عن قواعد فحص الاستثمار الأجنبي الحالية.
وتوصلت مؤسسات الاتحاد لاتفاق سياسي في ديسمبر لتحديث اللوائح المتعلقة بفحص الاستثمارات في المعدات العسكرية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والرقائق، لكن دول الاتحاد قاومت بشدة تخلي المفوضية عما كان تقليديًا من صلاحيات وطنية.
تشكيك في جدوى الإستراتيجية
نجحت الإستراتيجية الصينية في الماضي بفضل ضخامة السوق وجاذبيتها الاقتصادية الهائلة، لكن الوضع الأوروبي مختلف تمامًا، إذ يقول أندرياس فون بونين، الشريك في مكتب "فريش فيلدز" القانوني: "يمكنك فرض مثل هذه الشروط إذا كنت منطقة جغرافية شديدة الجاذبية، لكن حين تعاني من مشكلة هيكلية في النمو، عليك التفكير مرتين قبل إضافة المزيد من البيروقراطية".
وتشير أجاثا كاتز، الشريكة في مجموعة "روديوم" للأبحاث إلى نقطة جوهرية: "سمحنا بخلق اعتماديات لأننا ظننا أننا سنحظى دائمًا بالوصول للمدخلات الصينية ولن تتحول التجارة إلى سلاح".
وتضيف: "السوق الأوروبية لا تزال منفتحة للغاية، ولا أرى سببًا يدفع الشركات الصينية للاستثمار بشروط صارمة في الوضع الحالي".
ورغم محاولات المفوضية التشدد مع الصين بفرض رسوم تصل إلى 35% على السيارات الكهربائية الصينية في 2024، فشلت هذه الخطوة في إبعاد المنتجات الصينية، إذ لا تزال الشركات قادرة على تحقيق أرباح حتى مع الرسوم الإضافية.